الانتخابات الإسرائيلية.. تغيير الحكومة لا يعني تغيير النهج تجاه الفلسطينيين

الانتخابات الإسرائيلية.. تغيير الحكومة لا يعني تغيير النهج تجاه الفلسطينيين
الوقائع الإخباري – لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، بل اختبارًا لمدى استعداد المجتمع الإسرائيلي لمراجعة السياسات التي قادت إلى حروب مفتوحة ودمار واسع في قطاع غزة، وتسارع الاستيطان، وتراجع مكانة إسرائيل الدولية.

لكن السؤال الفلسطيني الأهم لا يتعلق بهوية الفائز في الانتخابات، بقدر ما يرتبط بمدى امتلاكه مشروعًا سياسيًا قادرًا على تغيير النهج القائم، الذي جعل القوة بديلًا من السياسة، والاحتلال واقعًا يراد تكريسه بصورة دائمة.

وتتمثل السيناريوهات المحتملة في استمرار بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني، أو تشكيل حكومة تغيير بقيادة المعارضة، أو اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية، مع بقاء احتمالات المفاجآت في النتائج وحسابات تشكيل الائتلافات، بما في ذلك داخل معسكر نتنياهو نفسه.

غير أن اختلاف هذه السيناريوهات لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في التعامل مع القضية الفلسطينية؛ فالمعارضة تسعى إلى إبعاد نتنياهو واستعادة مكانة إسرائيل الدولية، لكنها لا تطرح برنامجًا سياسيًا واضحًا لإنهاء الاحتلال والاستيطان والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

وهنا تكمن المفارقة؛ إذ قد تنجح الانتخابات في تغيير الحكومة من دون تغيير النهج الذي قاد إلى المأزق الراهن.

مفاجآت الانتخابات وحدود التغيير

رغم الاعتقاد، حتى وقت قريب، بأن المجتمع الإسرائيلي سئم نتنياهو والحروب ولم يعد يرغب في استمراره بالحكم، فإن احتمال المفاجأة الانتخابية يظل قائمًا، وإن كان محدودًا. فالتعب من نتنياهو لا يعني بالضرورة رفض سياساته، كما أن الغضب من إخفاقاته الأمنية لا يعني التخلي عن نهج يقوم على التفوق العسكري وحرية استخدام القوة في التعامل مع الفلسطينيين.

ولا يمكن افتراض أن النتائج ستصب بالضرورة في مصلحة المعارضة؛ فقد يتمكن نتنياهو من الاحتفاظ بقدرته على تشكيل الحكومة أو تحقيق نتائج أفضل من المتوقع، مستفيدًا من تماسك قاعدته الانتخابية وقدرته على تعبئة أنصاره. كذلك، قد تؤدي التغيرات في توزيع المقاعد داخل المعسكر اليميني إلى تعزيز نفوذ التيارات الأكثر تطرفًا، حتى في حال تراجع قوة حزب الليكود أو نتنياهو شخصيًا.

وتكتسب هذه الاحتمالات أهميتها من أن سقوط نتنياهو، إن حدث، لن يكون دليلًا كافيًا على تراجع اليمين أو حدوث تحول في المجتمع الإسرائيلي؛ فقد تتراجع شعبية رئيس الحكومة نتيجة إخفاقاته، بينما يستمر التأييد لأهداف الحرب أو لمواصلة السيطرة على الأراضي الفلسطينية. كما أن تغير موازين القوى داخل المعسكر اليميني قد يبدل شكل الحكومة من دون أن يغير اتجاه سياساتها.

فلسطينيًا، يعني استمرار هذا النهج مواصلة فرض الوقائع الاستيطانية في الضفة الغربية، وتعميق السيطرة على غزة، وتوفير الغطاء السياسي لاعتداءات المستوطنين، وتحويل الضم الفعلي للأرض إلى بديل من التسوية السياسية.

وعليه، لا ينبغي قياس أهمية الانتخابات بأسماء الفائزين وحدها، بل بمدى قدرتها على فتح المجال أمام تغيير السياسات، بدلًا من إعادة إنتاجها بصيغة جديدة.

المعارضة والقوائم العربية.. تقاطع المصالح وحدود الشراكة

قد تتيح نتائج الانتخابات للمعارضة تشكيل حكومة جديدة، لكن الحسابات البرلمانية تجعل موقف القوائم العربية عاملًا مهمًا في تحديد فرص تحقيق ذلك. وهنا يظهر تناقض سياسي واضح؛ إذ تحتاج قوى المعارضة إلى أصوات المواطنين العرب أو دعم أحزابهم من خارج الحكومة، لكنها تتردد في الاعتراف بهم شركاء سياسيين كاملين.

وفي هذا السياق، أعلن غادي آيزنكوت رفضه التحالف مع الأحزاب العربية، رغم أن الحسابات الانتخابية قد تجعل دعمها ضروريًا لتشكيل حكومة بديلة.

ولا يقتصر الأمر على الخلاف بشأن توزيع الحقائب الوزارية أو صيغة الائتلاف، بل يتعلق بحدود الشراكة السياسية نفسها. فالمواطنون العرب يسعون إلى التخلص من حكومة ارتبطت سياساتها بتصاعد التمييز والعنصرية وتفاقم الجريمة في مجتمعاتهم، في حين تركز قوى المعارضة على إزاحة نتنياهو واستعادة الاستقرار السياسي وتحسين مكانة إسرائيل الدولية.

وبذلك، قد يلتقي الطرفان على إسقاط الحكومة، من دون أن ينطلقا بالضرورة من الأهداف ذاتها.

ويمكن للقوائم العربية أن تؤدي دورًا حاسمًا في ترجيح كفة أحد المعسكرين أو توفير دعم برلماني لحكومة جديدة، إلا أن هذا الدور لا ينبغي اختزاله في الحسابات العددية؛ إذ تتوقف فاعليته على قدرتها على تحويل وزنها الانتخابي إلى مطالب واضحة تتعلق بالمساواة والمواطنة ومكافحة الجريمة والعنصرية، إلى جانب تحديد موقفها من السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني.

وفي المقابل، فإن دعم حكومة بديلة لا يعني تلقائيًا وقف الاستيطان أو تغيير سياسة الحرب في غزة أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فالمعارضة لا تقدم، حتى الآن، برنامجًا متكاملًا بديلًا من النهج القائم؛ إذ تسعى إلى تغيير نتنياهو، لكنها لا توضح كيف ستتجاوز ما يمكن وصفه بـ«النتنياهويّة»، القائمة على إدارة الصراع وإدامة السيطرة على الأرض بدلًا من إنهاء الاحتلال ومعالجة جذور الصراع.

لذلك، ينبغي أن يرتبط الرهان على الدور العربي ببرنامج سياسي واجتماعي واضح، لا بمجرد تبادل الأصوات. فالمشاركة في إسقاط الحكومة قد تحقق مكسبًا مهمًا، لكنها لا تنهي التناقض بين المطالب المدنية للمواطنين العرب واستمرار إنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

حكومة وحدة لترميم صورة إسرائيل أم لتغيير سياساتها؟

إذا تعذر تشكيل أغلبية برلمانية مستقرة، فقد يصبح خيار حكومة الوحدة الوطنية مطروحًا، بما قد يتيح استبعاد بن غفير وسموتريتش والأحزاب العربية من الائتلاف. وقد تبدو هذه الصيغة مخرجًا من الاستقطاب الداخلي، وتساعد على ترميم العلاقات الخارجية وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية.

لكن استبعاد اليمين الأكثر تطرفًا لا يعني بالضرورة التخلي عن السياسات التي ساهم في ترسيخها؛ فقد تتغير اللغة والأدوات، بينما يستمر الاحتلال والاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. بل قد تمنح حكومة أوسع تمثيلًا إسرائيل قدرة أكبر على تحسين صورتها الدولية من دون مراجعة فعلية لسياساتها تجاه الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين تغيير أسلوب إدارة الصراع وتغيير أهدافه. فقد تكون حكومة الوحدة أقل حدة في خطابها وأكثر حذرًا في علاقاتها الدولية، لكن ذلك لا يشكل تحولًا استراتيجيًا ما لم ينعكس على الأرض بوقف الاستيطان والضم، وإنهاء الحرب والحصار، وفتح أفق سياسي حقيقي أمام الشعب الفلسطيني.

ويمثل هذا السيناريو تحديًا للقضية الفلسطينية، ما يستدعي من القائمتين المشتركة والموحدة تجاوز المواقف التقليدية وتبني تحرك سياسي أكثر فاعلية، تدعمه نتائج انتخابية تمنحهما قدرة أكبر على التأثير في موازين القوى والحيلولة دون تكريس هذا المسار.

التناقض البنيوي في المشروع الصهيوني

يتجاوز المأزق الإسرائيلي أزمة نتنياهو وطبيعة الائتلاف الحاكم، ليرتبط بتناقض بنيوي في المشروع الصهيوني بصيغته السياسية الراهنة؛ يتمثل في السعي إلى توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وتجنب استحقاقات الحقوق الوطنية والسياسية للفلسطينيين، بالتوازي مع محاولة ضمان الأمن والاستقرار والحفاظ على المكانة الدولية.

وكلما اتسعت السيطرة على الأرض وتقلصت فرص التسوية، ازدادت صعوبة التوفيق بين هذه الأهداف. فإدامة السيطرة على شعب محروم من حقه في تقرير المصير لا تنتج حلًا مستقرًا، بل تعمق الصراع وترفع كلفته، كما أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع وحده تحويل الاحتلال إلى واقع مقبول أو إنهاء قضية وطنية متجذرة.

ويتفاقم هذا التناقض عندما تصبح القوة بديلًا من السياسة، ويُختزل الأمن في حرية استخدامها، في وقت تتزايد فيه الكلفة الدولية والأخلاقية للحرب والاستيطان ورفض الحقوق الفلسطينية.

وقد تتمكن إسرائيل من فرض وقائع ميدانية، لكنها لا تستطيع ضمان تحول هذه الوقائع إلى تسوية سياسية مستدامة أو أن يؤدي استمرارها إلى تحقيق أمن دائم.

ولا يعني ذلك أن انهيار المشروع الصهيوني بات وشيكًا، أو أن المجتمع الإسرائيلي يتجه حتمًا نحو مراجعة تاريخية، لكنه يؤكد أن القدرة على فرض الوقائع بالقوة لا تعادل القدرة على حسم الصراع سياسيًا. ومن هنا، قد يشكل تغيير الحكومة مدخلًا لتعديل بعض السياسات، لكنه لن يخرج إسرائيل من مأزقها ما لم يتغير جوهر مقاربتها تجاه الفلسطينيين.

التغيير الفلسطيني شرط لاستثمار التحولات

لا ينبغي أن تدفع محدودية البدائل الإسرائيلية الفلسطينيين إلى الانتظار السلبي، أو الخلط بين هزيمة نتنياهو وهزيمة النهج الذي يمثله. فالحالة الفلسطينية تواجه بدورها أزمة استراتيجية تتمثل في الانقسام السياسي، وغياب مشروع وطني موحد وفاعل، وتراجع القدرة على تحويل التضحيات والصمود إلى مكاسب سياسية، في وقت يتواصل فيه تدمير غزة ويتسارع التفكيك الجغرافي في الضفة الغربية.

والمطلوب ليس انتظار نتائج صناديق الاقتراع، بل بناء استراتيجية فلسطينية مستقلة تستثمر التناقضات الدولية والإسرائيلية، وتعيد توحيد القرار الوطني، وتربط وقف الحرب وإعادة إعمار غزة بإنهاء الحصار، وتواجه الاستيطان والضم، وتعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي بوصفها قضية تحرر وحقوق وطنية، لا مجرد ملف أمني أو إنساني.

فقد يخسر نتنياهو الانتخابات ويستمر نهجه، وقد تستبعد حكومة جديدة بن غفير وسموتريتش مع احتفاظها بجوانب أساسية من سياساتهما، كما قد تتمكن القوائم العربية من تغيير موازين تشكيل الحكومة من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولًا في الموقف الإسرائيلي من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وعليه، لا يُقاس التغيير الحقيقي بأسماء القادة أو بتشكيلة الائتلاف الحكومي، بل بمدى الاستعداد لإنهاء الاحتلال والاستيطان والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.

وما لم يصبح هذا التحول جزءًا من المعادلة السياسية، فستكون الانتخابات تغييرًا في إدارة المأزق الإسرائيلي، لا خروجًا منه.
 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions