غزة تعيش النكبة واقعا يوميا.. حين تتحول الخيام الى شاهد على فصول المأساة
تغرق الاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة وسط واقع مرير يختزل تاريخا طويلا من التهجير، حيث تعيش ام علي السباعي مع اطفالها الثلاثة داخل خيمة مهترئة تفتقر لادنى مقومات الحياة بعد ان فقدت زوجها في ظل الحرب المستمرة، وتكافح الام لتأمين وجبات طعام شحيحة لا تسد رمق اطفالها وسط ظروف صحية متدهورة ومعاناة مضاعفة جراء نقص مياه الشرب والخدمات الاساسية في مراكز النزوح.
واكدت السباعي ان حياتها تحولت الى رحلة بحث يومية عن البقاء، حيث تقضي ساعات طويلة في طوابير الانتظار امام اماكن توزيع الطعام، بينما يضطر ابنها للعمل في بيع الفطائر لمحاولة توفير متطلبات العيش البسيطة، واوضحت ان هذه المشاهد القاسية تعيد الى الاذهان صور اللجوء الفلسطيني الذي بدأ عام 1948، لتصبح النكبة اليوم واقعا معاشا لا مجرد ذكرى سنوية تمر على الشعب الفلسطيني.
وبينت الوقائع ان ما يشهده القطاع تجاوز حدود الذاكرة التاريخية ليتحول الى مأساة حية، حيث يعيش الفلسطينيون تحت وطأة القصف المستمر والنزوح القسري وسط انعدام الامن، واشارت الاحصائيات الى ان اكثر من مليوني فلسطيني اقتلعوا من ديارهم، بينما دمرت الهجمات العسكرية غالبية الوحدات السكنية التي كانت تؤوي السكان في مختلف مدن ومخيمات القطاع.
تداعيات النزوح والانهيار البيئي
واضاف محمد حسان، وهو نازح من بيت حانون، ان العدوان لم يكتف بسلب منزله بل سرق منه حياته الطبيعية، وشدد على ان النكبة التي كان يسمع عنها في قصص الاجداد اصبحت حقيقة يلمسها بكل تفاصيلها القاسية، موضحا ان الاحتلال يعمل على محو مدن كاملة من الخارطة واعادة انتاج سيناريو التهجير الذي حدث قبل عقود طويلة.
وكشفت المعطيات الميدانية عن كارثة بيئية وصحية تلاحق النازحين داخل الخيام، حيث تسبب تدمير شبكات الصرف الصحي والمياه في انتشار واسع للحشرات والقوارض، واكد حسان ان بناته يعانين من امراض جلدية مزمنة نتيجة العيش بين الركام ومياه الصرف الصحي، مشيرا الى ان الخيام تتحول الى جحيم لا يطاق خلال فصول السنة المختلفة.
واظهرت التقارير الطبية ان تدمير البنية التحتية للصرف الصحي ادى الى طفح المياه الملوثة وتفشي الامراض المعدية، واوضح طبيب الامراض الجلدية شفيق الخطيب ان هذا التلوث البيئي ينذر بظهور موجات من الاوبئة الفيروسية والمعوية، مما يضع حياة الاف النازحين في دائرة الخطر الدائم في ظل غياب الرعاية الصحية المطلوبة.
انهيار القطاع الصحي ومعاناة المرضى
وقالت سمر الحلبي، وهي مريضة سرطان، ان رحلة علاجها تحولت الى عذاب يومي بعد خضوعها لجراحة معقدة، واضافت انها اضطرت لمغادرة المستشفى قسرا بسبب نقص الاسرة والادوات الطبية، مؤكدة ان فقدان المسكنات والمضادات الحيوية جعل من استكمال رحلة العلاج مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.
وبين محمد زقوت ان والدته المصابة بجلطة دماغية تنتظر منذ ايام الحصول على تشخيص طبي، واوضح ان المستشفيات باتت عاجزة عن استقبال الحالات المرضية بسبب انشغالها باعداد الجرحى الكبيرة، واكدت مصادر طبية ان خروج عشرات المستشفيات عن الخدمة واستهداف الطواقم الطبية فاقم من حجم الفاجعة الانسانية في القطاع.
وكشف المدير الطبي لمركز غزة للسرطان محمد ابو ندى ان توفر الادوية لا يتجاوز 30 بالمئة من الاحتياجات الضرورية، واوضح ان تعطل اجهزة الفحص الاشعاعي ونقص الوقود ادى الى توقف خدمات حيوية، مما تسبب في وفاة مئات المرضى الذين لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية اللازمة منذ بداية الحرب.
التعليم في زمن الحرب والخيام
واشار الاهالي الى محاولاتهم اليائسة لانتشال مستقبل اطفالهم من تحت الركام، حيث اقيمت مدارس بدائية داخل خيام صغيرة، واوضحت المعلمة حنين ابو هربيد ان الطفلة شام كلخ، التي فقدت عائلتها كاملة، تضرب مثالا في الصمود عبر تفوقها الدراسي في مدرسة نون البدائية، رغم ان المدرسة تفتقر للمساحات اللازمة لاستيعاب مئات الطلاب.
واكدت وزارة التربية والتعليم ان الغالبية العظمى من مدارس القطاع تعرضت للتدمير او تحولت الى مراكز ايواء للنازحين، وبينت الاحصائيات ان عشرات الالاف من الاطفال اصبحوا يتامى بعد ابادة عائلاتهم بالكامل، مما يضع جيلا كاملا من الفلسطينيين امام تحديات وجودية صعبة في ظل استمرار العدوان.
وختاما، يرى الفلسطينيون ان النكبة لم تعد فصلا تاريخيا بل واقعا متجددا منذ عقود، حيث تواصل عمليات التهجير والتدمير اقتلاع السكان من ارضهم وذاكرتهم، مؤكدين ان مشاهد الخيام التي تنتشر اليوم في كل زاوية من غزة هي الشاهد الحي على استمرار المأساة التي لا تزال تفتقر الى حلول حقيقية تنهي معاناة شعب بأكمله.









