ما بعد تحرير الجنوب: تهاوي سردية الردع وتحولات المشهد اللبناني
تفتح ذكرى انسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من مايو بابا واسعا للنقاش حول المتغيرات العميقة التي طرأت على البلاد منذ عام 2000 وحتى يومنا هذا. وبينما كان الجنوب يشهد في سنوات ما بعد التحرير موجات من الاعمار والاستقرار النسبي، جاءت الاحداث الميدانية الاخيرة لتعيد صياغة المشهد وتطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية معادلات القوة التي سادت لعقود. واضاف مراقبون ان القرار الرسمي باعلان هذا اليوم عطلة وطنية حمل في طياته انقساما سياسيا حادا، حيث اعتبره فريق من السياسيين محاولة لترميم صورة مهتزة في ظل ظروف اقليمية وميدانية تزداد تعقيدا. واكد محللون ان هذه المناسبة لم تعد مجرد ذكرى عسكرية، بل تحولت الى محطة لتقييم جدوى سلاح المقاومة وما اذا كان قد وفر حماية فعلية للبنان ام انه اصبح عبئا اضافيا في ميزان الحسابات الدولية.
سقوط نظرية الردع بين الواقع والوهم
وبين النائب فادي كرم ان التحولات التي شهدتها الساحة اللبنانية تتجاوز البعد المحلي لتصل الى موازين القوى الاقليمية وتحديدا النفوذ الايراني. واشار كرم الى ان الانسحاب الاسرائيلي قبل اكثر من عقدين لم يكن وليد نظرية الردع التي روج لها البعض، بل كان نتاجا لتسويات وحسابات دولية دقيقة لا علاقة لها بقدرات عسكرية مستقلة. وشدد على ان الاحداث الاخيرة اثبتت ان ما تم تسويقه كقوة ردع كان هشا امام الاختبارات الميدانية، مما ادى الى دمار واسع دفع ثمنه الشعب اللبناني بدلا من ان يكون السلاح وسيلة للحماية.
واوضح كرم ان الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الاحتلال العسكري الذي زال، بل في التأثير الايديولوجي الذي مارسه الحرس الثوري الايراني على جزء من النسيج اللبناني. واضاف ان هذا التغلغل الفكري ساهم بشكل مباشر في ضرب الشراكة الوطنية وتراجع مقومات الدولة الاقتصادية والاجتماعية. وكشف ان المشهد اليوم يظهر تراجعا واضحا في النفوذ الايراني مقارنة بما كان عليه الحال في السابق، معتبرا ان لبنان يسعى حاليا لاستعادة قراره السيادي بعيدا عن الاملاءات الخارجية.
تغير وظيفة السلاح وتفكك الرواية
واكد النائب مارك ضو ان مفهوم الردع كان اقرب الى السردية الاعلامية منه الى الواقع العسكري الملموس على الارض. وبين ضو ان مرحلة ما بعد عام 2005 شهدت تحولا جذريا في دور السلاح، حيث تحول تدريجيا من اداة للمقاومة الى وسيلة لفرض هيمنة سياسية مرتبطة بالمشروع الايراني في المنطقة. واضاف ان القرارات الدولية مثل 1701 رسمت خارطة طريق واضحة لحصرية السلاح بيد الدولة، الا ان عدم الالتزام بهذه المسارات جعل من السلاح ذريعة دائمة للجانب الاسرائيلي لتوسيع رقعة استهدافاته.
وتابع ضو موضحا ان السلاح فقد وظيفته الاصلية واصبح عنصرا معطلا لاي محاولة لبناء دولة المؤسسات. واشار الى ان السلطة الحالية باتت امام استحقاق وطني لاستعادة قرار الحرب والسلم ووضع حد للفوضى التي تسببت بها التجاذبات المسلحة. واكد ان التحول الاكبر في هذه المرحلة هو ادراك اللبنانيين ان استمرار هذا السلاح خارج اطار الدولة لم يعد يخدم مصلحة وطنية بل اصبح اداة في صراعات اقليمية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.
اختبارات قاسية للمستقبل
واشار الكاتب السياسي علي الامين الى ان ما عرف بمعادلة الردع كان مفهوما مصطنعا انهار سريعا عند اول مواجهة حقيقية. واضاف الامين ان الحرب الاخيرة كشفت عن اختراقات عميقة في البنية الامنية والعسكرية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول صدقية الرواية التي سادت لسنوات طويلة. واوضح ان التطورات منذ عام 2023 غيرت الحسابات الاسرائيلية ودفعت تل ابيب الى اعادة صياغة قواعد الاشتباك بشكل كامل.
وختم الامين بان الكثيرين ممن صدقوا اوهام القوة وجدوا انفسهم امام واقع مرير تلاشت فيه كل الشعارات السابقة. واضاف ان ما تبقى من هذه السردية يواجه اليوم اختبارات قاسية، حيث اصبح المجتمع اللبناني اكثر وعيا بحجم التداعيات التي خلفتها سياسات الرهان على القوى الخارجية. وبين ان المرحلة القادمة تتطلب مقاربة واقعية تعيد لبنان الى محيطه العربي وتخرجه من دوامة الصراعات التي استنزفت مقدراته.









