جحيم الاخلال المباغت ومسح المربعات السكنية في غزة
تشهد مناطق متفرقة في قطاع غزة وتحديدا في وسط القطاع نمطا تصاعديا من الغارات الجوية التي تستهدف مربعات سكنية كانت قد نجت من دمار الحرب الواسع خلال الاشهر الماضية. وتأتي هذه التحركات الميدانية وسط حالة من الصدمة بين السكان الذين يواجهون اوامر اخلاء مفاجئة ومباغتة تجبرهم على مغادرة منازلهم في غضون دقائق معدودة قبل ان تتحول هذه المباني الى ركام بفعل القصف المكثف.
واظهرت المتابعات الميدانية تدمير اكثر من خمسة مربعات سكنية في مناطق النصيرات والبريج والمغازي ومدينة دير البلح خلال فترة زمنية وجيزة. واكد شهود عيان ان هذه العمليات تتم دون تقديم مبررات واضحة او الاعلان عن وجود اهداف عسكرية محددة داخل تلك الاحياء التي تعج بالمدنيين والنازحين.
وبين سكان محليون ان الاتصالات الهاتفية التي يتلقونها من ضباط في اجهزة الامن الاسرائيلية تخلق حالة من الارباك والهلع الجماعي. واوضح المواطن رامي خروب ان عائلته المكونة من ستة عشر فردا وجدت نفسها في العراء بعد تلقي انذار سريع لم يمنحهم فرصة لالتقاط ابسط مقتنياتهم الشخصية قبل ان تدمر الغارات ثلاثة منازل بشكل مباشر وتلحق اضرارا جسيمة بعشرة منازل اخرى مجاورة.
سياسة التهجير القسري وتفكيك الاحياء
واضاف خروب ان المناطق المستهدفة لا تضم اي مراكز قيادية للفصائل الفلسطينية بل هي احياء سكنية مدنية بسيطة. وشدد على ان الهدف الظاهر من وراء هذه الهجمات هو دفع السكان نحو مزيد من التشريد واجبارهم على التفكير في خيارات النزوح القسري التي لم تعد متاحة في ظل انعدام اي ملاذ امن داخل القطاع المحاصر.
واكد احمد المنسي وهو احد الناجين من هذه الغارات ان عملية التدمير الممنهجة طالت ايضا مدينة دير البلح التي كانت تصنف سابقا كمناطق اكثر امانا. واشار الى ان منزله المكون من طابقين تحول الى كومة من الاتربة بعد استهدافه بصاروخ واحد ادى الى تشريد عائلته واقاربهم الذين كانوا يقطنون معهم بحثا عن الامان.
وكشفت التحليلات الميدانية ان حالة الارباك المتعمد التي تتبعها القوات الاسرائيلية عبر توجيه اوامر اخلاء غير دقيقة جغرافيا تزيد من معاناة المدنيين. واوضح المنسي ان الضباط لا يحددون مكانا بعينه بل يطلبون اخلاء المربع السكني بالكامل وهو ما يفاقم من ازمة النزوح المستمرة التي يعيشها اكثر من مليون فلسطيني في الخيام ومراكز الايواء.
اعادة تشكيل الواقع الديموغرافي للقطاع
وتابع المحلل الفلسطيني مصطفى ابراهيم موضحا ان استراتيجية تدمير المربعات السكنية لم تعد مجرد تكتيك عسكري عابر. واكد ان هذه السياسة تهدف الى تحويل حياة الغزيين الى جحيم يومي يهدف الى اعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع عبر محو الاحياء السكنية ومنع السكان من العودة اليها مستقبلا.
واشار ابراهيم الى ان التساؤل الذي يطرحه المواطنون اليوم لم يعد متعلقا بالبقاء على قيد الحياة فحسب بل اصبح يتمحور حول المنطقة التي ستكون هدفا للقصف التالي. واوضح ان استمرار هذه السياسات يضع الفلسطينيين امام واقع مرير يتمثل في فقدان المأوى والامن في ظل غياب اي افق سياسي يضمن توقف هذه الهجمات.
وشدد النازحون على انهم لا يملكون اي خيارات اخرى سوى الصمود فوق ركام منازلهم او النزوح الى اماكن اخرى لا تضمن لهم النجاة. وتستمر المعاناة في ظل صمت دولي يرافق عمليات المسح الشاملة للاحياء التي كانت تمثل يوما ما ملاذا اخيرا للعائلات الفلسطينية.









