تحول استراتيجي في طهران: لماذا اختارت ايران التصعيد العسكري المباشر مع اسرائيل؟
يُنظر الى الرد الايراني الاخير على الهجمات الاسرائيلية في لبنان بوصفه انعكاسا لتحول استراتيجي عميق في عقلية القيادة الجديدة في طهران، حيث لم يعد التعامل مع التهديدات الخارجية يقتصر على الصبر الاستراتيجي او الردود المحدودة كما كان متبعا في السابق. ويرى مراقبون ان هذا النهج الهجومي الجديد يهدف الى تثبيت معادلة ردع جديدة تجعل من استهداف الحلفاء خطا احمر يستوجب ردا عابرا للحدود، مؤكدين ان طهران باتت تعتقد ان القوة هي السبيل الوحيد للحفاظ على مكتسباتها في المنطقة ومنع الخصوم من اعادة تشكيل الواقع الميداني لصالحهم.
واوضح الخبير في الشأن الايراني اوميد ميماريان ان النظام في طهران يسعى من خلال هذه الضربات الى ايصال رسالة واضحة بامتلاكه القدرة والارادة على التصعيد الشامل، مبينا ان القيادة الايرانية باتت اكثر ثقة في قدرتها على ادارة المواجهة بدلا من الاكتفاء بموقف المتفرج. واضاف ان هذا التحول يكسر حالة الحذر التي طبعت السياسة الخارجية الايرانية طوال العقد الماضي، حيث كانت الردود السابقة تتسم بالانتقائية والحرص على عدم الانزلاق الى مواجهة مباشرة واسعة النطاق مع الولايات المتحدة او اسرائيل.
واكد محللون ان هذه العقيدة الدفاعية الجديدة تهدف الى حماية شبكة النفوذ الاقليمي المعروفة بمحور المقاومة، مشددين على ان طهران تعتبر اي مساس بهذه الاطراف تهديدا مباشرا لامنها القومي. واشار الخبير حميد رضا عزيزي الى ان الحفاظ على قدرات حزب الله ليس مجرد التزام ايديولوجي بل ضرورة عسكرية استراتيجية تمنح ايران هامشا للمناورة في صراعاتها الاقليمية، موضحا ان السماح باضعاف الحزب يعني فقدان ورقة ضغط حيوية في اي تسوية سياسية مستقبلية قد تفرضها واشنطن.
ابعاد العقيدة الدفاعية الجديدة والضغط على واشنطن
وبين صادق لاريجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ان الرد العسكري الاخير لم يكن مجرد اجراء تكتيكي بل اعلان رسمي لعقيدة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا التقليدية، موضحا ان طهران عازمة على تغيير ميزان القوى الاقليمي عبر فرض قواعد اشتباك جديدة. واضاف ان هذه الخطوة جاءت لتصحيح الصورة التي تضررت في فترات سابقة، مؤكدا ان القيادة الجديدة في ايران تعتبر ان المبادرة الهجومية قد اسهمت بالفعل في تعزيز موقفها السياسي والاقتصادي رغم الضغوط الدولية المكثفة.
واشار الباحث فرزان ثابت الى ان الحسابات الايرانية تستند الى قراءة دقيقة للمشهد الداخلي الامريكي، مبينا ان طهران تراهن على ان الادارة الامريكية الحالية لا تملك الرغبة او القدرة على الانخراط في حرب اقليمية شاملة في ظل التحديات الاقتصادية والانتخابية الراهنة. واكد ان هذه الثقة بالنفس دفعت الايرانيين الى اختبار العلاقة بين واشنطن وتل ابيب، مشيرا الى ان طهران تسعى لاستغلال الفجوات في الاهداف الاستراتيجية بين الجانبين للضغط على البيت الابيض من اجل كبح جماح التحركات الاسرائيلية.
واضاف مراقبون ان استراتيجية ايران الجديدة تتضمن ايضا توظيف اوراق الضغط الاقتصادي، موضحين ان التحكم في ممرات الشحن الحيوية في مضيق هرمز يظل جزءا من معادلة الردع التي تلوح بها طهران. وشدد هؤلاء على ان طهران تعتقد ان الولايات المتحدة تستخدم مفاوضات وقف اطلاق النار كغطاء لاعادة ترتيب الاوضاع ميدانيا، مؤكدين ان الرد الايراني العنيف جاء لقطع الطريق على هذه المحاولات ومنع تقويض النفوذ الذي حققته طهران خلال الحرب الاخيرة.









