غربلة الترشيحات في الجزائر: لماذا استبعدت السلطة مئات الأسماء من سباق الاقتراع
كشفت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر عن تفاصيل مثيرة حول عمليات فرز ملفات الترشح للاستحقاق التشريعي المقبل، حيث أظهرت الحصيلة النهائية استبعاد مئات المترشحين لأسباب قانونية وتنظيمية متعددة. وأكد رئيس السلطة بالنيابة، كريم خلفان، أن حماية نزاهة العملية الانتخابية كانت الدافع الرئيسي وراء هذا الإجراء، مشددا على أن تطبيق القانون تم بصرامة لضمان عدم تغلغل المال المشبوه في المسار السياسي.
وبين خلفان أن المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات كانت الأداة الأبرز في عملية التنقية، حيث أدى وجود صلات مشبوهة بأوساط المال والأعمال إلى إقصاء قرابة 1762 مترشحا. وأوضح أن هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجية الدولة لقطع الطريق أمام أي محاولات للتأثير على خيارات الناخبين أو المساس بسلامة الاقتراع، مشيرا إلى أن القضاء كان له دور حاسم في معالجة الطعون التي قدمت ضد قرارات الاستبعاد.
وأضاف المسؤول ذاته أن أسباب الرفض لم تقتصر على الجانب المالي فقط، بل شملت أيضا مترشحين صدرت بحقهم أحكام قضائية سالبة للحرية دون رد اعتبار، بالإضافة إلى حالات أخرى تتعلق بالتجوال السياسي وعدم استيفاء الشروط القانونية. وشدد على أن الهيئة لم تستهدف أحدا بعينه، بل التزمت بنصوص القانون التي تمنع ترشح من لا تتوفر فيهم الأهلية القانونية أو من لديهم سوابق جنائية تعيق توليهم مناصب نيابية.
تحديات قانونية ومؤشرات ديموغرافية في قوائم المترشحين
وأشار خلفان إلى أن القوائم الانتخابية شهدت عمليات رفض تقنية شملت عدم الالتزام بالعدد القانوني للمترشحين أو نقص التوقيعات المطلوبة، لافتا إلى أن المحاكم الإدارية نظرت في آلاف الطعون التي قدمها المتضررون، حيث تم قبول نسبة محدودة منها بينما تم تأييد قرارات السلطة في الغالبية العظمى من الحالات. وبين أن السلطة وافقت في المحصلة على 793 قائمة انتخابية تضم آلاف المترشحين الذين استوفوا كافة الشروط.
وأظهرت الإحصائيات التي عرضتها السلطة أن المشهد الانتخابي يتميز بحضور قوي للشباب والنساء، حيث بلغت نسبة المترشحين دون سن الأربعين أكثر من نصف العدد الإجمالي للمقبولين. وأكد أن المستوى العلمي للمتنافسين يعد مرتفعا، إذ يحمل قرابة نصف المترشحين شهادات جامعية، وهو ما يعكس رغبة في تقديم نخب جديدة قادرة على تحمل المسؤولية في المجلس الشعبي الوطني.
وكشفت البيانات أيضا عن قبول قوائم خاصة بالجالية الوطنية في الخارج، مع التأكيد على أن عملية الغربلة خضعت لمعايير موضوعية تضمن تكافؤ الفرص بين الجميع. وأضاف خلفان أن الانتقادات التي طالت إجراءات السلطة لا تستند إلى أساس قانوني، كون الهيئة تعمل وفق نصوص تشريعية واضحة تهدف إلى تنظيف المشهد السياسي من الممارسات التي سادت في مراحل سابقة.
السياق السياسي ورهانات المرحلة القادمة
وأوضح مراقبون أن هذا التوجه الصارم يأتي في سياق سياسي حساس، حيث تسعى السلطة الجديدة في الجزائر إلى طي صفحة العهد السابق وما رافقه من قضايا فساد وتداخل بين المال والسياسة. وشددوا على أن الإجراءات الأمنية والقانونية المتخذة تهدف إلى استعادة ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، رغم التحذيرات الحزبية من تداعيات هذه الإقصاءات على نسبة المشاركة الشعبية.
وبينت التحليلات أن التركيز على المادة 200 من قانون الانتخابات يعكس إرادة الدولة في منع تكرار سيناريوهات تبديد المال العام، وهي التهم التي أدت إلى إدانة العديد من المسؤولين ورجال الأعمال في السنوات الأخيرة. وأكدت أن الدولة ماضية في نهجها الرامي إلى تجديد الطبقة السياسية عبر معايير صارمة للترشح، بعيدا عن الولاءات التقليدية التي كانت تحكم المشهد في السابق.
وأضافت المعطيات أن التحدي القادم يكمن في مدى قدرة هذه القوائم المقبولة على إقناع الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، خاصة في ظل حالة من الفتور السياسي التي تشهدها بعض الأوساط. وبينما تستمر المحاكم في معالجة ما تبقى من ملفات، تبقى الأنظار متجهة نحو موعد الاقتراع لتقييم مدى نجاح هذه المقاربة في إفراز برلمان يمثل تطلعات المرحلة الراهنة.









