لماذا لا تزال الاعتداءات تلاحق الاطباء في مصر رغم تغليظ العقوبات
تستمر ظاهرة التعدي على الكوادر الطبية في مصر في تصدر المشهد العام رغم دخول قانون المسؤولية الطبية حيز التنفيذ مؤخرا، حيث كشفت واقعة الاعتداء الوحشي على طبيبة اسنان بمحافظة القليوبية عن وجود فجوة كبيرة بين النصوص التشريعية والواقع الميداني الذي يعيشه الاطباء داخل المنشآت الصحية. واظهرت الحادثة الاخيرة التي تم تداول تفاصيلها على نطاق واسع حجم المخاطر التي يتعرض لها مقدمو الخدمة الطبية، حيث تعرضت الطبيبة لاعتداء بآلة حديدية تسبب لها في اصابات بالغة وتلفيات في عيادتها بعد خلاف نشب حول اجراءات طبية روتينية تتعلق بالنفايات الطبية.
واوضحت التحقيقات الاولية ان سبب المشاجرة يعود لرفض الطبيبة تسليم مريضة ضرسها المخلوع التزاما ببروتوكولات مكافحة العدوى، وهو ما دفع ذوي المريضة لاقتحام العيادة والاعتداء عليها بشكل جماعي. واكدت روايات اخرى وجود تباين في وجهات النظر حول ملابسات الواقعة، حيث اشارت جهات معنية الى حدوث مشادات كلامية تطورت الى اشتباك بدني متبادل بين الطرفين، مما دفع الاجهزة الامنية للتدخل والقبض على عدد من المتورطين في الحادثة تمهيدا لعرضهم على جهات التحقيق.
وبينت وزارة الصحة المصرية في تعقيبها على الواقعة ان الاطار التشريعي الحالي يوفر حماية كافية للاطقم الطبية، مشددة على ان القانون يفرض عقوبات رادعة على كل من يتعدى على المنشآت الصحية او العاملين بها. واضافت الوزارة ان الحادثة قيد المتابعة القانونية لضمان تطبيق القانون وحفظ هيبة الدولة في القطاع الصحي، معتبرة ان العنف ليس وسيلة مقبولة لفض النزاعات او التعبير عن الشكاوى الطبية.
تحديات تطبيق قانون المسؤولية الطبية
وتتضمن بنود قانون المسؤولية الطبية عقوبات متدرجة تبدأ بالحبس والغرامة المالية وتصل الى سنوات سجن مشددة في حال حدوث اصابات بدنية او اتلاف للممتلكات الطبية. واوضح خبراء قانونيون ان القانون يهدف لتنظيم العلاقة بين المريض والطبيب وتحديد المسؤوليات المتبادلة، الا ان التحدي يكمن في مدى وعي المواطنين بهذه التشريعات وقدرة المؤسسات على انفاذها بشكل صارم في كافة المحافظات.
واشار عضو مجلس نقابة الاطباء الى ان ضعف منظومة التأمين داخل المستشفيات والعيادات يمثل ثغرة رئيسية، حيث تعتمد معظم المرافق على شركات امن خاصة تفتقر الى التدريب اللازم للتعامل مع حالات العنف او التوتر الجماهيري. واضاف ان تكرار المشاجرات يعود ايضا الى توافد اعداد كبيرة من المرافقين مع المرضى، مما يضع الطبيب في مواجهة غير متكافئة ويزيد من احتمالية وقوع اشتباكات دموية داخل غرف الكشف.
وذكر ان الضغوط المجتمعية التي تمارس على الاطباء للتصالح في قضايا الاعتداء تساهم في افلات الجناة من العقاب، مشددا على ضرورة اعتبار الاعتداء على الطبيب جريمة في حق المجتمع ككل لا يجوز فيها التنازل عن الحق العام. وبين ان هناك موروثات ثقافية خاطئة تجعل الطبيب دائما في قفص الاتهام عند حدوث اي تدهور في الحالة الصحية للمريض، وهو ما يولد شحنا عاطفيا يفرغه ذوو المريض في شكل عنف جسدي او لفظي.
فجوة المنظومة الصحية والحلول المقترحة
وادانت نقابة الاطباء الحادثة واصفة اياها بالجريمة المكتملة الاركان، وطالبت بضرورة اتخاذ تدابير استباقية لمنع وقوع هذه الاعتداءات بدلا من الاكتفاء بردود الفعل العقابية بعد وقوع الضرر. واكدت النقابة ان حماية الطبيب هي حماية للمنظومة الصحية بأكملها، وان استمرار هذه الممارسات يهدد الامن الصحي للمواطنين ويؤثر سلبا على بيئة العمل داخل العيادات والمستشفيات.
واوضح رئيس جمعية الحق في الصحة ان ضعف الامكانيات في المنظومة الصحية المصرية يعمق الازمة، حيث تظل نسبة الاسرة المتاحة في المستشفيات الحكومية غير كافية مقارنة بحجم الطلب، مما يولد ضغطا عصبيا على المريض وذويه. واضاف ان هجرة الكفاءات الطبية للخارج زادت من العبء الملقى على الاطباء المتبقين، مما يجعلهم في مواجهة مباشرة ومستمرة مع الجمهور الغاضب دون وجود حماية كافية.
وشدد على ضرورة تعزيز التواجد الامني من خلال نقاط شرطة ثابتة داخل المستشفيات والوحدات الصحية لضمان التدخل السريع، مبينا ان غياب هذا التواجد يجعل الاطباء عرضة للترهيب. واختتم بالتأكيد على ان حل الازمة لا يتوقف على تغليظ العقوبات فحسب، بل يتطلب اصلاحا هيكليا في الخدمات الصحية وتوفير بيئة عمل امنة تحمي الطبيب من ان يكون كبش فداء لمشكلات المنظومة المزمنة.









