رحلة الدين العام الامريكي من 71 مليون دولار الى ارقام قياسية فلكية
يواجه الاقتصاد الامريكي تحديا ماليا غير مسبوق مع اقتراب الدين العام من حاجز 39 تريليون دولار، وهو رقم يمثل قفزة تاريخية هائلة منذ تأسيس الدولة حين كان الدين لا يتجاوز 71 مليون دولار. وتظهر البيانات الاقتصادية ان هذا التضخم المالي لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة تراكمات لقرون من الحروب والازمات الاقتصادية وبرامج الانفاق الحكومي الضخمة التي اعادت تشكيل ملامح الميزانية العامة.
واوضحت التحليلات المالية ان المسار التصاعدي للدين اصبح يشكل تحديا هيكليا يثير الكثير من علامات الاستفهام حول استدامة القدرة على الاقتراض مستقبلا. واكد الخبراء ان الولايات المتحدة رغم احتفاظها بمكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، الا ان ارتفاع كلفة خدمة هذه الديون بات يضغط بشكل مباشر على الموارد المالية المتاحة للدولة.
وبينت التقارير ان الدين العام تحول من اداة لادارة الازمات الى عبء دائم يثقل كاهل الاقتصاد، مما دفع صناع القرار للبحث عن توازنات جديدة في ظل بيئة مالية عالمية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.
جذور الدين العام ومحطات التحول التاريخية
وكشفت الحقائق التاريخية ان اول وزير للخزانة الكسندر هاملتون وضع حجر الاساس للدين الفيدرالي في عام 1790 لتوحيد ديون الحرب، معتبرا اياه ثمنا للحرية. واضاف المؤرخون ان الولايات المتحدة نجحت لمرة واحدة فقط في تاريخها عام 1835 في تصفير دينها العام، لكن هذا الانجاز لم يدم طويلا اذ عادت سياسة الاقتراض لتصبح ركيزة اساسية في السياسة المالية.
واظهرت الارقام ان الحروب شكلت المحرك الرئيسي لنمو الدين، حيث تضاعفت الارقام بشكل لافت خلال الحرب الاهلية ثم الحربين العالميتين، وصولا الى ازمة عام 2008 وجائحة كورونا التي احدثت طفرة انفاق غير مسبوقة. وشدد المحللون على ان الانتقال من تريليون دولار الى 39 تريليون خلال العقود الاخيرة يعكس تسارعا مقلقا في وتيرة تراكم الالتزامات المالية.
واكدت الدراسات ان جائحة كورونا وحدها ساهمت باضافة اكثر من 4 تريليونات دولار في فترة وجيزة، مما جعل التوقعات تشير الى تجاوز مستويات اعلى بكثير في المستقبل القريب اذا استمرت وتيرة الانفاق الحالية.
هل لا يزال العالم يثق في السندات الامريكية؟
واوضحت المعطيات ان العالم لا يزال يمول واشنطن عبر شراء سندات الخزانة، نظرا لاعتبارها اصولا آمنة وعالية السيولة في الاسواق المالية العالمية. واضاف الاقتصاديون ان نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي التي تقترب من 126% تضع امريكا في مصاف الدول ذات المديونية المرتفعة، لكنها تظل ضمن نطاق يمكن ادارته مقارنة بدول اخرى مثل اليابان.
وبينت المتابعات ان التحدي الحقيقي يكمن في كلفة الفوائد التي تلتهم جزءا كبيرا من الايرادات الضريبية، مما يقلص قدرة الحكومة على التوسع في البرامج الاجتماعية او الاستثمارية. واشار الخبراء الى ان ارتفاع اسعار الفائدة يزيد من حدة هذا التحدي، مما يفرض ضغوطا اضافية على الميزانية الفيدرالية.
واكد الباحثون ان استمرار هذا المسار قد يؤدي مستقبلا الى ازمة ثقة مالية، رغم صعوبة التنبؤ بتوقيتها الدقيق في ظل قوة الدولار ومكانته المركزية في النظام المالي الدولي.









