جدل قانوني في ليبيا بعد واقعة الجلد العلني وتساؤلات حول معايير العدالة

جدل قانوني في ليبيا بعد واقعة الجلد العلني وتساؤلات حول معايير العدالة

أثارت واقعة تنفيذ عقوبة الجلد علنا بحق امرأة في مدينة سبها حالة من الغضب والجدل الواسع في الاوساط الليبية، حيث دفعت الحادثة الكثيرين الى طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المنظومة القانونية التي تحكم البلاد في ظل الانقسام السياسي الراهن. وبينت هذه الواقعة انقساما مجتمعيا حادا حول مدى انتقائية تطبيق القوانين، خاصة مع تزايد المطالبات بضرورة شمول العدالة الجميع دون استثناء، بما في ذلك الشخصيات النافذة وقادة التشكيلات المسلحة الذين غالبا ما يفلتون من العقاب في قضايا الفساد المالي.

واكد مراقبون ان تنفيذ حكم الجلد علنا يفتح الباب امام نقاشات قانونية حول التكييف الشرعي والقانوني لهذه العقوبات، مشيرين الى ان القوانين الليبية المستمدة من الشريعة والقانون المدني يجب ان تضمن كرامة الانسان وتطبق بميزان واحد. واضاف اخرون ان التركيز على قضايا معينة وتجاهل ملفات الفساد الكبرى التي انهكت الاقتصاد الليبي يعطي انطباعا بوجود خلل في اولويات منظومة القضاء، وهو ما يفاقم الشعور بالظلم لدى المواطن البسيط الذي يعاني من تبعات الازمات المعيشية المتلاحقة.

واوضح حقوقيون ان تصوير ونشر واقعة الجلد شكل صدمة اضافية للمجتمع، مما دفع جهاز الشرطة القضائية الى فتح تحقيق عاجل مع المتورطين في توثيق الحادثة ونشرها، مؤكدين ان التشهير ليس جزءا من روح العدالة التي تنشدها الدولة. وشدد هؤلاء على ان الشريعة الاسلامية هي منظومة عدل متكاملة لا تتجزأ، تبدأ بمحاربة الفساد وصون المال العام قبل ان تصل الى العقوبات الجسدية التي يجب ان تستند الى اركان شرعية وقانونية صارمة لا تقبل التأويل او الاستغلال السياسي.

تحديات العدالة الانتقائية في ليبيا

وبين الباحث القانوني هشام سالم الحاراتي ان المجتمع الليبي لا يمانع تطبيق الحدود، لكنه يرفض بشدة ان تكون هذه الاحكام انتقائية تستهدف الضعفاء فقط. واضاف ان المواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وانهيار الدخل يتساءل بمرارة عن مصير مليارات الاموال المنهوبة، مشيرا الى ان العدالة الحقيقية تتطلب محاسبة من افسد المؤسسات واعتدى على حقوق الليبيين قبل اي شيء اخر، لان الدولة لا تستقيم الا بميزان عدل يطبق على الجميع بلا استثناء.

واكد المحامي احمد نشاد ان نصوص القانون الليبي تطبق على الجميع، وان واقعة سبها جاءت بناء على اقرار المتهمة امام القضاء، معتبرا ان الجدل المثار يتعلق بطريقة عرض الواقعة وليس باصل الحكم الشرعي. واضاف ان القضاء الليبي يواجه تحديات كبيرة في ظل تراجع ترتيب ليبيا في مؤشرات الفساد العالمية، مما يعزز الحاجة الى اصلاحات جذرية تضمن سيادة القانون على الجميع بغض النظر عن النفوذ او السلطة.

وكشف كتاب ونشطاء ان هناك فجوة كبيرة بين الشعارات القانونية والواقع المعاش، حيث يرى البعض ان بعض الاحكام تهدف لدغدغة مشاعر البسطاء بدلا من معالجة جذور الفساد المستشري. وخلص المشاركون في هذا النقاش الى ان استعادة ثقة الليبيين في القضاء تبدأ من تحقيق المساواة امام القانون، وان اي عدالة لا تشمل كبار المسؤولين والمتورطين في نهب المال العام ستظل ناقصة وغير قادرة على بناء دولة القانون التي يطمح اليها الشعب الليبي.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions