السودان يودع الكاش.. كيف فرضت الازمات الاقتصادية هيمنة الدفع الالكتروني على الاسواق
شهدت الاسواق السودانية تحولا جذريا في سلوك المستهلكين والتجار على حد سواء، حيث تراجعت هيمنة النقود الورقية التقليدية لصالح تطبيقات الدفع الالكتروني التي باتت تتصدر المشهد اليومي. هذا التحول لم يكن وليد ترف تقني، بل جاء كاستجابة قسرية لواقع اقتصادي معقد تميز بنقص حاد في السيولة النقدية وتدهور القوة الشرائية للعملة المحلية، مما أجبر الجميع على تبني حلول مالية رقمية لضمان استمرار دوران عجلة الاقتصاد في الاسواق والاحياء.
وكشفت جولات ميدانية في العاصمة السودانية عن مشهد جديد تماما، حيث صار الهاتف المحمول هو الأداة الاكثر أهمية في جيب المواطن لإتمام أبسط المعاملات اليومية. وأظهرت الملاحظات أن فئات عمرية واجتماعية متنوعة، لم تكن تعتمد على الخدمات المالية الرقمية في السابق، باتت اليوم جزءا لا يتجزأ من منظومة التحول الرقمي، مما يعكس مرونة المجتمع في التكيف مع ضغوط الأزمات الاقتصادية الخانقة.
وبينت المعطيات الميدانية أن السؤال عن سعر السلعة لم يعد كافيا، إذ أصبح الاستفسار عن توفر خدمة التحويل الالكتروني شرطا أساسيا لإتمام عملية البيع والشراء. واكد تجار أن هذا التوجه فرضته الضرورة لضمان استمرارية النشاط التجاري، خاصة مع تعذر الحصول على سيولة نقدية كافية لتغطية حجم التداولات اليومية، مما جعل التطبيقات البنكية طوق النجاة الوحيد في ظل التحديات الراهنة.
تبني الحلول الرقمية كضرورة اقتصادية
واشار تجار في سوق ام درمان الى أن الواقع الجديد فرض عليهم التعامل مع التكنولوجيا المالية رغما عنهم. وقال محمد مساعد الدخيري، وهو تاجر بصل، إن معظم الزبائن باتوا يعتمدون كليا على التحويلات عبر التطبيقات البنكية في معاملاتهم، موضحا أن هذه الوسيلة أصبحت هي السائدة والمفضلة في الاسواق لسهولتها وسرعتها في ظل ندرة العملة الورقية.
واضاف الدخيري أنه اضطر للتكيف مع هذا النمط رغم افتقاره لهاتف ذكي يتيح له استخدام التطبيقات بشكل مباشر، حيث بات يستعين بزملاء له لإتمام عمليات التحويل وإيداع المبالغ في حساباتهم. وشدد على أن التعامل الرقمي يوفر مستوى من الامان أعلى بكثير من حمل مبالغ نقدية كبيرة في ظل الظروف الامنية والاقتصادية غير المستقرة، مما يعزز من قناعة التجار بضرورة الانتقال نحو هذا النظام.
وتابع مبينا أن ظروف السوق الصعبة هي المحرك الرئيسي لهذا التحول، حيث اصبح الاعتماد على التطبيقات البنكية خيارا استراتيجيا وليس مجرد رفاهية. واكد أن التجار باتوا ينظرون الى الحسابات البنكية كبديل آمن للنقد، رغم التحديات التقنية التي لا تزال تواجههم في ظل تفاوت الخبرات الرقمية بين الافراد في مختلف مناطق العاصمة.
التحديات التقنية وواقع البنية التحتية
واوضح محمد الخاتم الصاوي، تاجر بسوق خليف، أن التطبيقات البنكية رغم اهميتها تواجه عقبات تقنية تحول دون اعتبارها بديلا نهائيا. واضاف أن انقطاع التيار الكهربائي وضعف شبكات الانترنت يؤديان غالبا الى توقف الخدمات فجأة، مما يضع التاجر والزبون في مواقف محرجة قد تصل الى الغاء عملية البيع، وهو ما يؤكد أن التحول الرقمي لا يزال رهين استقرار البنية التحتية.
واشار ياسر مصطفى، صاحب محل لحوم، الى أن ضعف المعرفة التقنية لدى بعض شرائح المجتمع يمثل عائقا حقيقيا امام التحول الكامل. واضاف أن كبار السن يجدون صعوبة بالغة في التعامل مع الواجهات الرقمية، مما يتسبب في اخطاء تقنية مثل التحويلات الخاطئة التي ترهق التجار والمستهلكين، مشددا على ضرورة توفير السيولة النقدية بجانب الحلول الرقمية لضمان توازن السوق.
واكد مصطفى أن التحول الرقمي يظل اداة مساعدة ممتازة، لكنه يحتاج الى بيئة مصرفية اكثر استقرارا وقاعدة تقنية صلبة ليكون بديلا يعتمد عليه بشكل كلي. وبين أن التوسع في استخدام التطبيقات يجب أن يرافقه حملات توعية رقمية مكثفة لتقليل الاخطاء وضمان ثقة المتعاملين في الخدمات المصرفية المتاحة عبر الهواتف المحمولة.
نظرة اقتصادية على التحول المالي
واضاف محمد عبد الملك، طالب جامعي، أن الاعطال المتكررة في شبكات التطبيقات البنكية خلال اوقات الذروة تثير مخاوف كبيرة لدى المستخدمين. واكد أن هذا التردد ينبع من عدم استقرار الخدمة، مما يجعله يفضل الاحتفاظ ببعض السيولة النقدية للطوارئ، مبينا أن الضغط العالي على الشبكات هو السبب المباشر في تعطل العمليات المالية في اللحظات الحرجة.
واوضح مسؤول في بنك الخرطوم أن التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية جاء نتيجة مباشرة لتغير سلوك الجمهور تحت ضغط الازمة. واضاف أن البنوك تعمل على تلبية هذا الطلب المتزايد، مؤكدا أن الخدمات المصرفية الرقمية نجحت في انقاذ المعاملات اليومية من التوقف، لكنها لا تزال تحتاج الى تطوير مستمر في البنية التحتية للاتصالات والكهرباء لضمان استدامة الخدمة.
وختم خضر علي، استاذ الاقتصاد، بالقول إن ما يحدث هو تغير في سلوك المجتمع المالي وليس تحولا نحو اقتصاد رقمي متكامل. واضاف أن نجاح هذا المسار يتطلب سياسات مصرفية قوية تعزز الثقة والامان التقني، مشددا على أن الدفع الالكتروني يجب أن يكون خيارا مستقرا ومستداما، لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمة السيولة التي يمر بها السودان حاليا.









