معركة الهوية والمناهج تشتعل في الجزائر وسط انقسام سياسي حاد حول اصلاحات التعليم

معركة الهوية والمناهج تشتعل في الجزائر وسط انقسام سياسي حاد حول اصلاحات التعليم

تشهد الساحة السياسية في الجزائر حالة من الاستقطاب الحاد عقب الاعلان عن حزمة اصلاحات جديدة في قطاع التربية والتعليم، حيث اثارت هذه التحركات جدلا واسعا وصل الى حد التراشق بالاتهامات بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية. وكشفت مصادر مطلعة ان حالة من الغموض تكتنف مصير هذه التعديلات خاصة بعد تسريبات اشارت الى امكانية تراجع الرئاسة عنها نظرا لعدم عرضها بشكل مسبق على مجلس الوزراء، مما جعل الشارع الجزائري في حالة ترقب لما ستؤول اليه الامور في الايام المقبلة.

واظهرت هذه التطورات عودة الصراع الايديولوجي القديم بين التيار العروبي المحافظ والتيار الفرنكفوني، حيث يرى كل طرف ان المناهج التعليمية هي ساحة المعركة الاساسية لحسم هوية البلاد ومستقبل اجيالها. واكد مراقبون ان الجدل تجاوز الجوانب البيداغوجية ليتحول الى قضية وجودية تتقاطع فيها اللغة والدين والارث الاستعماري الذي لا يزال يلقي بظلاله على قرارات الدولة الحساسة.

وبين وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي خلال اجتماعه مع مفتشي التعليم الخطوط العريضة للاصلاحات، والتي شملت ادراج اللغة الانجليزية في مرحلة التعليم الابتدائي وتأخير تدريس اللغة الفرنسية، الى جانب تعديلات جوهرية في مواد الثانوية مثل الفلسفة. واوضحت هذه الاجراءات ان الوزارة تسعى لتبني رؤية تعليمية جديدة تهدف الى تجاوز العوائق اللغوية التقليدية، الا ان هذا التوجه اصطدم بمعارضة شرسة من اطراف ترى في تقليص دور الفرنسية تهديدا لمكتسبات ثقافية وعلمية قديمة.

انقسام حزبي حول اولويات الاصلاح التربوي

واضافت الاحزاب المحافظة والاسلامية ثقلها الى كفة المؤيدين لهذه الاصلاحات، حيث ابدت حركة النهضة دعما مطلقا للمساعي الحكومية معتبرة اياها خطوة ضرورية نحو الانفتاح على البحث العلمي العالمي. وشدد رئيس جبهة الجزائر الجديدة جمال بن عبد السلام على ان الاعتماد المستمر على اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية اصبح عبئا لا يخدم سوى مصالح فرنسا، داعيا الى ضرورة تحديث المنظومة لتواكب متطلبات العصر التكنولوجي والعلمي.

وتابعت زعيمة حزب العمال لويزة حنون انتقادها لهذه الخطوات مطالبة بتأجيل المشروع وفتح نقاش وطني شامل تحت اشراف رئيس الجمهورية لضمان عدم التسرع في اتخاذ قرارات بيداغوجية قد تؤثر على جودة التعليم. واكدت ان تغيير اللغات او المناهج يجب ان يستند الى دراسات معمقة تضمن التكامل بين العربية والامازيغية واللغات الاجنبية دون المساس بمركزية مادة الفلسفة التي تعد ركيزة اساسية في التكوين الفكري للطالب الجزائري.

وكشف رئيس حزب جيل جديد الاخضر امقران عن مخاوفه من تحول هذا النقاش الوطني الهام الى مجرد مشاحنات رقمية على منصات التواصل الاجتماعي، محذرا من ضياع جوهر الاصلاح وسط الضجيج السياسي. وبين ان المطلوب هو حوار عقلاني بعيدا عن المزايدات التي تفتقر الى العمق، مشددا على ان مستقبل ابناء الجزائر لا يجب ان يكون رهينة لتصفية حسابات ايديولوجية بين تيارات لا تملك رؤية موحدة للتعليم.

الرئاسة في قلب العاصفة والشارع يترقب الحسم

واشار القيادي عبد الرزاق مقري في تدخل لافت الى ان التيار العلماني يمارس ضغوطا غير مبررة للدفاع عن اللغة الفرنسية، متسائلا عن الدوافع الحقيقية وراء هذا التمسك بلغة بدأت تفقد بريقها عالميا. واضاف ان حالة الاستنفار التي ابداها هؤلاء توحي بوجود اجندات خارجية تهدف الى عرقلة اي تحول سيادي في قطاع التربية، مما زاد من حدة التوتر السياسي الذي تشهده البلاد حاليا.

واكدت اصوات سياسية اخرى مثل نسيم براهيمي ان تبادل التهم بالعمالة والولاء للخارج لن يؤدي الا الى مزيد من التشرذم، داعية الجميع الى الالتزام بالحوار البناء بدلا من لغة التخوين. وشدد على ان المؤسسات الرسمية هي الوحيدة المخولة بالفصل في هذه القضايا، معتبرا ان التراشق الاعلامي يضر بمصلحة التلميذ اكثر مما ينفعها.

وختاما، يترقب الجميع كلمة الفصل من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الذي من المتوقع ان يحسم الجدل في اجتماع مجلس الوزراء، خاصة وان الصحافة المحلية المحت الى ان اي اصلاح هيكلي لا يكتسب صبغة قانونية الا بعد اقراره رسميا من اعلى سلطة في الدولة. وبينت هذه المؤشرات ان المبادرة لا تزال في اطار المقترحات الوزارية التي تنتظر الضوء الاخضر او التعديل من قبل الرئيس.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions