حتى تأخذ اللجنة الصحية دورها
الدكتور عادل الوهادنة
من الصلاحية المكتوبة إلى رقابة تقيس أداء المجلس الصحي العالي والمجالس المهنية بمعايير العالم
مقدمة
لا يعاني القطاع الصحي الأردني نقصاً في الهيئات أو القوانين؛ فهناك وزارة للصحة، ومجلس صحي عالٍ، ومجلس طبي، ومجلس تمريضي، ومؤسسات للتأمين والدواء والاعتماد. المشكلة الحقيقية هي غياب سلسلة مؤسسية معلنة تربط بين السياسة والتنفيذ والرقابة والنتيجة.
وهنا يأتي دور لجنة الصحة والبيئة والسكان في مجلس الأعيان. فاللجنة ليست وزارة بديلة، ولا مجلساً صحياً موازياً، ولا جهة تنفيذية لتوظيف الأطباء والممرضين؛ لكنها الجهة البرلمانية التي يفترض أن تسأل: ماذا قرر كل مجلس؟ ماذا نفّذ؟ كم أنفق؟ وما النتيجة التي تحققت للمريض وللكفاءة الصحية الأردنية؟
النقاط الرئيسة
* أولاً: اللجنة تملك صلاحية معتبرة، لكن استخدامها المنشور ما يزال محدوداً
يمنح النظام الداخلي لمجلس الأعيان اللجنة صلاحية دراسة التشريعات والسياسات المتعلقة بالصحة والخدمات والتأمين والدواء والسكان، كما يتيح لها طلب حضور الوزير والخبراء والحصول على الوثائق والمعلومات. أي إن المشكلة ليست انعدام الصلاحية، بل تحويلها إلى برنامج رقابي منتظم ومعلن. النظام الداخلي لمجلس الأعيان
وبقراءة تقرير أعمال اللجنة المنشور للدورة الأولى لعام 2025 نجد:
* 6 اجتماعات فقط وردت في التقرير.
* التقرير كله يقع في نحو 3 صفحات.
* 3 اجتماعات من أصل 6، أي 50%، خُصصت لقانون الإحصاءات العامة.
* اجتماع واحد لتنظيم آلية عمل اللجنة.
* اجتماع واحد مع وزارة الصحة.
* اجتماع واحد مع ممثلي الصناعات الدوائية.
* لا يظهر في التقرير ذاته اجتماع رقابي مخصص للمجلس الصحي العالي أو المجلس الطبي أو المجلس التمريضي، ولا مصفوفة توصيات تتضمن مسؤولاً وموعداً ومؤشر إنجاز. تقارير أعمال لجان مجلس الأعيان
هذه الأرقام لا تنفي قيمة الاجتماعات، لكنها تكشف أن التقرير المنشور يوثّق نشاطاً تشاورياً أكثر مما يوثّق دورة رقابية مكتملة.
* ثانياً: ماذا تفعل اللجان الصحية النظيرة عالمياً؟
المقارنة لا ينبغي أن تقوم على عدد الاجتماعات وحده، لأن النظم السياسية وأحجام البرلمانات مختلفة، بل على الأدوات والنتائج المنشورة:
* الولايات المتحدة: لجنة الصحة والتعليم والعمل والتقاعد في مجلس الشيوخ تضم 23 عضواً، وتمارس جلسات الاستماع، ومراجعة التشريعات، والجلسات التنفيذية، والنظر في الترشيحات العليا. صحيح أن نطاقها أوسع من الصحة وحدها، لكن قوتها تكمن في ربط الاستماع بالتشريع والموازنة والتعيينات، مع نشر النشاط والوثائق. لجنة HELP في مجلس الشيوخ الأميركي
* بريطانيا: لجنة الصحة والرعاية الاجتماعية في مجلس العموم تضم 11 عضواً، وكان مدرجاً لديها 5 تحقيقات جارية عند إعداد هذه المقارنة. تنشر الأدلة المكتوبة والشفوية والتقارير ومواعيد الرد الحكومي، بل يظهر علناً إن كان الرد مستحقاً أو متأخراً. لجنة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية وعضوية اللجنة
* كندا: سجل لجنة الصحة في مجلس العموم 35 اجتماعاً في الدورة البرلمانية الحالية حتى حزيران 2026. وتشمل ولايتها فحص مشاريع القوانين والتقديرات المالية والتعيينات، والرقابة على وزارة الصحة و4 مؤسسات صحية وطنية. ويمكن للجنة أن تطلب رداً حكومياً شاملاً خلال 120 يوماً من تقديم تقريرها. اختصاصات اللجنة الكندية ، سجل الاجتماعات ، وقاعدة الـ120 يوماً
* البرلمان الأوروبي: نشرت لجنة الصحة العامة 8 جلسات استماع منذ كانون الثاني 2025 حتى حزيران 2026، تناولت موضوعات مثل مقاومة المضادات الحيوية، والأمن الدوائي، وصحة الدماغ، واستعداد الأنظمة الصحية. وتُنشر البرامج والمداخلات والوثائق والبث والمحاضر. جلسات لجنة الصحة العامة الأوروبية
الخلاصة المقارنة أن لجنة الأعيان الأردنية تملك حق الدراسة وطلب المسؤولين والوثائق، لكنها لا تملك ــ أو لا تستخدم علناً حتى الآن ــ دورة رقابية بالمستوى نفسه: تحقيق معلن، أدلة منشورة، توصيات مرقمة، مهلة للرد، ثم تقرير متابعة يبين ما نُفذ وما تعثر.
* ثالثاً: هل يطبق المجلس الصحي العالي ما يُنتظر من الهيئات العالمية؟
على الورق، ولاية المجلس واسعة جداً: رسم السياسة الصحية، ووضع الاستراتيجية، وتقييم السياسات دورياً، وتوزيع الخدمات بعدالة، وتنسيق المؤسسات، وتوسيع التأمين، ودراسة إعادة هيكلة القطاع وترشيد الموارد. مهام المجلس الصحي العالي
لكن القياس يجب أن ينتقل من نص القانون إلى المخرجات. وإذا استخدمنا اختباراً تحليلياً من 8 مخرجات قيادية هي:
1. استراتيجية وطنية صحية حديثة.
2. أهداف رقمية ومواعيد إنجاز.
3. خطة تنفيذ سنوية موزعة على الجهات.
4. لوحة مؤشرات صحية وطنية موحدة.
5. تقرير أداء سنوي يبيّن المنجز والمتعثر.
6. نظام معلن لترتيب الأولويات وتقييم التكنولوجيا الصحية.
7. توقع احتياجات القوى العاملة حسب التخصص والمنطقة.
8. تنسيق الإنفاق والتأمين ومنع الازدواجية.
فإن المتاح علناً يثبت بصورة واضحة أو جزئية نحو 3 مخرجات من أصل 8: وجود إطار استراتيجي سابق، وتقارير للحسابات الصحية الوطنية، وإصدارات فنية تتعلق بالقطاع. أما 5 مخرجات فلا يظهر لها حتى الآن إثبات حديث ومتكامل في لوحة وطنية واحدة. وهذه نتيجة تحليل للمحتوى المنشور، وليست تقييماً رسمياً لأداء المجلس.
كما أن أبرز استراتيجية قطاعية مفهرسة على موقع المجلس ما تزال استراتيجية 2016–2020، وهو ما يطرح سؤالاً مباشراً عن الاستراتيجية الجامعة للمرحلة الراهنة. الاستراتيجية الوطنية للقطاع الصحي 2016–2020 وتقارير الحسابات الصحية الوطنية
قرار مجلس الوزراء في 5 كانون الثاني 2026 بالإبقاء على المجلس وإعادة تفعيله خطوة مؤسسية مهمة، لكنه يمثل قراراً بإعادة التشغيل لا نتيجة صحية نهائية. والاختبار الحقيقي يبدأ بنشر الخطة والميزانية والمؤشرات والنتائج. قرار إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي
* رابعاً: العلاقة بين اللجنة والمجلس الصحي العالي
سبق للجنة أن جمعت ممثلي المجلس الصحي العالي والمجلس الطبي والمجلس التمريضي والتأمين الصحي، وطرحت قضايا التغطية الشاملة، وتوحيد الصناديق، والتدريب، والتقييم، والتنسيق المؤسسي. وهذه مداخلة صحيحة في الاتجاه العام. اجتماع اللجنة مع المجالس الصحية
لكن الفائدة المعلنة بقيت محدودة لثلاثة أسباب:
* لم تُنشر قائمة مرقمة بما التزمت به كل جهة.
* لم تُحدد مواعيد للتنفيذ أو مؤشرات للنجاح.
* لم يظهر تقرير لاحق يقارن بين المطلوب والمنجز.
لذلك يمكن القول إن اللجنة أسهمت في إبقاء قضية التنسيق وإعادة تفعيل المجلس الصحي العالي حاضرة، لكن لا يمكن علمياً نسبة قرار الحكومة إليها وحدها، ولا اعتبار إعادة التفعيل أثراً صحياً قبل ظهور نتائج قابلة للقياس.
* خامساً: المجلس الطبي الأردني — قوة في الامتحان، وفجوة في قياس المخرجات
يظهر المجلس الطبي نشاطاً واضحاً في برامج التدريب والامتياز والبورد والتطوير المهني والتحقق من الوثائق. كما تحدد تعليماته وزن الامتحان التحريري بـ60% والسريري والشفوي بـ40%، وبحد نجاح عام يبلغ 60%. المجلس الطبي الأردني وتعليمات تدريب الأطباء المقيمين
وباختبار مهني من 6 وظائف ــ المعايير، اعتماد التدريب، الامتحانات، نشر النتائج التحليلية، ضمان الجودة المستقل، وتتبع الاعتراف والتشغيل الخارجي ــ تظهر بصورة واضحة 3 وظائف أساسية: المعايير والتدريب والامتحان. أما الوظائف الثلاث الأخرى فلا تظهر في لوحة سنوية موحدة تبين:
* نسب النجاح لكل اختصاص ولسنوات متتابعة.
* نتائج تقييم مراكز التدريب والإجراءات التصحيحية.
* مؤشرات ثبات الامتحان وعدالته وإدارة التظلمات.
* الدول التي تعترف بالشهادة مباشرة أو جزئياً.
* عدد الأطباء الذين حصلوا على فرص خارجية بفضل هذا الاعتراف.
هذه البيانات ليست ترفاً؛ فهي التي تحول البورد الأردني من شهادة وطنية قوية إلى أداة تنافس دولية قابلة للتسويق المؤسسي.
* سادساً: المجلس التمريضي — نموذج رقمي جيد يحتاج إلى التوسيع
نشر المجلس التمريضي نتيجة امتحان مزاولة المهنة بتاريخ 3 شباط 2025 بصورة رقمية واضحة:
* 225 متقدماً.
* 162 ناجحاً.
* 63 راسباً.
* نسبة نجاح 72%.
نتائج امتحان مزاولة المهنة
هذا مثال إيجابي على الإفصاح، لكنه ينبغي أن يتحول إلى تقرير سنوي يشمل نسب النجاح حسب الجامعة، والاحتياج حسب التخصص، والتوزيع الجغرافي، والبطالة، والهجرة، والتطوير المهني، والاعتراف الخارجي.
ووفق اختبار من 6 وظائف مهنية، يظهر المجلس بصورة واضحة في 4 وظائف: التنظيم، والامتحان، والتصنيف، والتطوير المهني؛ بينما تبقى الحاجة قائمة إلى وظيفتين محوريتين: مرصد وطني للقوى التمريضية، ومسار مؤسسي للاعتراف والتشغيل الخارجي.
* سابعاً: تسويق الكفاءات الصحية لا يتحقق بالجهد الفردي وحده
لا يُطلب من لجنة الأعيان أن تصبح مكتب توظيف، لكن يمكنها إلزام المؤسسات ببناء منصة وطنية تربط المجلس الصحي العالي والمجلس الطبي والمجلس التمريضي ووزارات الصحة والعمل والخارجية والقطاع الخاص.
ويجب أن يقاس البرنامج سنوياً بستة أرقام:
1. عدد الدول والأسواق المستهدفة؛ على ألا يقل في البداية عن 5 أسواق.
2. عدد اتفاقيات الاعتراف المتبادل؛ والهدف الأولي 3 اتفاقيات.
3. مدة التحقق الإلكتروني من الشهادة؛ والهدف ألا تتجاوز 10 أيام عمل.
4. عدد الأطباء والممرضين المؤهلين والمسجلين في المنصة.
5. عدد العقود الفعلية، لا عدد مذكرات التفاهم.
6. قيمة التحويلات والدخل والخبرة العائدة إلى الأردن.
كما ينبغي ألا ينحصر التسويق في الوظائف التقليدية، بل يشمل الأسواق الهجينة: التطبيب عن بُعد، والترميز الطبي، والبحوث السريرية، والتعليم والمحاكاة، وإدارة الجودة، والاستشارات، إضافة إلى الأسواق المطروقة الأكثر استيعاباً في الخليج وبريطانيا وأوروبا وكندا.
* ثامناً: برنامج رقابي من 12 شهراً للجنة
حتى تأخذ اللجنة دورها، يمكن اعتماد برنامج معلن يتضمن:
* 4 جلسات فصلية للمجلس الصحي العالي.
* جلستين سنويتين للمجلس الطبي.
* جلستين سنويتين للمجلس التمريضي.
* جلسة مستقلة للموازنة والإنفاق الصحي.
* جلسة للقوى العاملة والأسواق الخارجية.
* تقريراً سنوياً يتضمن توصيات مرقمة.
* منح الحكومة والجهات المعنية مهلة 90 يوماً للرد.
* نشر لوحة متابعة بثلاث حالات: نُفذ، قيد التنفيذ، لم يُنفذ.
وبذلك تنتقل اللجنة من السؤال العام: «ما واقع القطاع؟» إلى السؤال المؤسسي: من تعهّد؟ بماذا؟ ومتى؟ وما الرقم الذي يثبت التنفيذ؟
الخلاصة
لجنة الصحة في مجلس الأعيان ليست لجنة بلا صلاحيات، لكنها لم تُظهر في تقاريرها المنشورة حتى الآن الاستخدام الكامل لصلاحياتها. والمجلس الصحي العالي يمتلك ولاية استراتيجية واسعة، إلا أن إعادة تفعيله لن تكون ذات معنى ما لم ينتج استراتيجية حديثة وأهدافاً رقمية ولوحة أداء علنية.
أما المجلسان الطبي والتمريضي فيملكان أساساً مهنياً حقيقياً في التدريب والامتحان والتصنيف، لكنهما يحتاجان إلى قياس معلن للجودة والاعتراف الدولي والتشغيل.
المطلوب ليس توسيع عدد المؤسسات، بل وصلها في دائرة واحدة:
سياسة يضعها المجلس الصحي العالي، ومعايير يطبقها المجلسان الطبي والتمريضي، وتنفيذ تقوم به الجهات المختصة، ورقابة رقمية تمارسها لجنة الصحة، ونتيجة يلمسها المواطن والكفاءة الصحية الأردنية.
حينئذ فقط تصبح اللجنة الصحية جسراً بين النص والنتيجة، لا محطةً أخرى لتبادل الآراء.









