الثورة العلمية في فهم الدماغ.. كيف قاد الضوء العلماء لنيل جائزة نوبل في الطب
توجت جمعية نوبل في معهد كارولينسكا جهود ثلاثة علماء بارزين بمنحهم جائزة نوبل في الطب والفسيولوجيا تقديرا لابتكاراتهم الرائدة في مجال البصريات الوراثية التي غيرت فهمنا لكيفية عمل الدماغ البشري. شملت قائمة الفائزين كارل دايسروث من جامعة ستانفورد وبيتر هيغمان من جامعة هومبولت وجورج ناغل من جامعة فورتسبورغ الذين نجحوا في تسخير الضوء للتحكم في القنوات الايونية داخل الخلايا العصبية. اوضحت اللجنة العلمية ان هذا الانجاز يمثل اداة ثورية في علوم الاعصاب الحديثة حيث مكنت الباحثين من تشغيل او ايقاف نشاط خلايا عصبية محددة بدقة متناهية لدراسة السلوك والمشاعر والذكريات.
واضاف العلماء ان بداية هذا المسار العلمي انطلقت من تساؤل بيتر هيغمان حول سر استجابة طحالب وحيدة الخلية للضوء وهو ما قاده لاكتشاف بروتين تشاند رودوبسين على سطح خلاياها. وشدد الباحثون على ان هذا البروتين يعمل بمثابة بوابة مجهرية تفتح عند التعرض للضوء الازرق مما يسمح بتدفق الايونات ونشوء اشارات كهربائية داخل الخلية. وبينت التجارب ان هذه القدرة الفريدة للبروتين ظلت فعالة حتى بعد نقلها الى خلايا اخرى لم تكن حساسة للضوء في الاصل مما فتح افاقا غير مسبوقة في مجال التعديل العصبي.
مسيرة البحث العلمي والابتكار التقني
واكد كارل دايسروث انه نجح في ادخال الجين المسؤول عن هذا البروتين الى خلايا عصبية مأخوذة من الجرذان ليتمكن لاحقا من اطلاق اشارات كهربائية عند الطلب باستخدام الضوء الازرق. واشار الى ان هذا الاختراق تطور بشكل كبير بحلول عام 2007 حين تم تطبيق التقنية داخل ادمغة فئران حية. واظهرت تلك النتائج ان الدمج بين الهندسة الوراثية والضوء خلق مجالا علميا جديدا يمنح الباحثين سيطرة كاملة على الدوائر العصبية بدقة زمنية ومكانية عالية.
تطبيقات طبية واعدة في علاج الامراض العصبية
وكشفت الدراسات ان هذه التقنية حلت معضلة علمية كبرى كانت تمنع الباحثين سابقا من اثبات علاقة السبب والنتيجة بين نشاط مناطق محددة في الدماغ والسلوكيات الملحوظة. واوضحت النتائج ان البصريات الوراثية مكنت العلماء من مراقبة تأثير تشغيل او تثبيط مجموعات عصبية معينة بشكل مباشر. واضاف الخبراء ان هذا التطور ساعد في فهم دوائر الذاكرة والخوف والمكافأة وفتح ابوابا واسعة لدراسة اضطرابات نفسية وعصبية معقدة مثل الفصام والاكتئاب والادمان والخرف.
واكد الباحثون ان الطموحات تتجاوز حدود المختبرات لتصل الى تطبيقات علاجية تهدف لاستعادة الابصار لدى الاشخاص الذين يعانون من فقدان البصر. وبينت الابحاث الجارية ان مبادئ البصريات الوراثية يمكن ان تترجم الى علاجات طبية مبتكرة تعتمد على توجيه الضوء لتصحيح الخلل في الشبكات العصبية. واشار المتابعون الى ان هذا الفوز بجائزة نوبل يمثل اعترافا عالميا بأهمية الربط بين علوم الضوء والبيولوجيا في تطوير مستقبل الطب العصبي.









