رحلة البحث عن العلاج في ريف ادلب معاناة يومية تقطع الاوصال
يواجه سكان ريف ادلب تحديات قاسية في الوصول الى الخدمات الطبية الاساسية بعد ان اصبحت الرحلة الى اقرب مشفى اشبه برحلة محفوفة بالمخاطر والتكاليف الباهظة. كشف فيصل المصطفى احد سكان قرية جبالا عن تجربته المريرة عندما اضطر لقطع مسافة تصل الى خمسة وثلاثين كيلومترا للبحث عن مصل مضاد لسم الافاعي بعد ان خلت المراكز القريبة من ابسط الامكانيات. واوضح المصطفى ان حالة العجز الطبي في قريته والقرى المجاورة تفرض على المرضى خيارات صعبة اما تحمل مشقة الطريق او مواجهة مضاعفات صحية خطيرة في ظل غياب التجهيزات الضرورية.
واكد المصطفى ان المعاناة لا تتوقف عند حدود المسافات الطويلة فحسب بل تتفاقم بسبب ارتفاع تكاليف النقل التي تنهك كاهل العائلات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغلاء الوقود. واشار الى ان التنقل المتكرر بين القرى والمدن الرئيسية بحثا عن العلاج اصبح عبئا يوميا يضاف الى قائمة الازمات التي يعيشها الاهالي في المناطق التي شهدت دمارا واسعا. وبين ان الوصول الى مستشفى مجهز بات يتطلب ميزانية خاصة للنقل فضلا عن تكاليف العلاج نفسه مما يجعل الحصول على الخدمة الطبية امتيازا يصعب تحقيقه للكثيرين.
وتتكرر هذه الماساة مع محمد الاطرش من قرية موقا الذي اضطر لنقل احدى قريباته الى مدينة حماة لعدم توفر الرعاية الطبية المطلوبة في محيطه الجغرافي. واضاف الاطرش ان المسافات التي يقطعها الاهالي تتجاوز في بعض الحالات خمسة واربعين كيلومترا وهو رقم ضخم خاصة في الحالات الاسعافية الحرجة التي لا تحتمل التأخير. وشدد على ان غياب المشافي التخصصية في مناطق ريف خان شيخون وجنوبي ادلب جعل من العيادات البسيطة الملاذ الوحيد رغم محدودية خدماتها.
واقع القطاع الصحي وخطط التوسع
وتعمل مديرية الصحة في ادلب على محاولة احتواء الازمة من خلال اعادة هيكلة المنشات الطبية وتوزيع الخدمات بشكل اكثر كفاءة لضمان تغطية المناطق الاكثر احتياجا. وكشف معاون مدير الصحة محمد وليد تامر عن البدء بتفعيل العيادات الخارجية في مشفى المعرة الوطني كخطوة اولى نحو اعادة تشغيل الاقسام الجراحية والاسعافية بشكل تدريجي. واكد ان العمل جار على قدم وساق لتجهيز غرف العناية المركزة واقسام التوليد لتخفيف الضغط عن المشافي البعيدة.
واشار تامر الى ان الخطة الاستراتيجية للمديرية تهدف الى الوصول لعدد خمسة وعشرين مشفى موزعة جغرافيا وفق خارطة طبية دقيقة تضمن وجود مشفى وطني في كل منطقة. واضاف ان الجهود الحالية تركز على دمج المنشات الصغيرة المتفرقة في مجمعات طبية متكاملة لتقديم رعاية افضل للمرضى. وبين ان هناك تنسيقا مستمرا لترميم المراكز الصحية واعادة بنائها لتكون قادرة على استيعاب الاعداد المتزايدة من العائدين الى قراهم.
واوضح المسؤول الصحي ان عدد المراكز التي دخلت الخدمة بعد اعادة التأهيل بلغ ثلاثين مركزا مع وجود خطط لتفعيل مراكز اضافية خلال الفترة المقبلة. واكد ان الوزارة تعمل على تجاوز عقبات نقص الكوادر الفنية والمعدات الطبية من خلال التعاون مع المنظمات الدولية والمحلية لتوفير التجهيزات اللازمة. واضاف ان انتشار العيادات المتنقلة يمثل حلا مؤقتا وضروريا لسد الثغرات في المناطق التي لا تزال تفتقر الى نقاط طبية ثابتة ومجهزة.
تحديات الاستدامة والكوادر الطبية
وتواجه خطط النهوض بالقطاع الطبي تحديات لوجستية تتعلق بنقص الكوادر التخصصية وتهالك بعض المعدات التي تحتاج الى صيانة دورية او تحديث. وبين تامر ان هناك توجها لدمج المنشات غير الفعالة واعادة توزيع مواردها على المراكز التي تشهد ضغطا سكانيا كبيرا لضمان الاستغلال الامثل للموارد المتاحة. واكد ان الهدف النهائي هو بناء منظومة صحية متكاملة قادرة على الصمود امام التحديات الراهنة.
وكشف تامر عن ان المديرية اضطرت لاغلاق بعض المراكز بشكل دائم كجزء من عملية الهيكلة لضمان تقديم خدمة نوعية بدلا من مراكز لا تقدم سوى اسعافات اولية محدودة. واضاف ان عملية التقييم مستمرة للوقوف على احتياجات كل منطقة وتلبيتها وفق الامكانيات المتوفرة حاليا. وشدد على ان التحدي الاكبر يظل في تامين الكوادر الطبية المؤهلة التي تفتقر اليها الكثير من المناطق الريفية.
واظهرت البيانات ان العيادات المتنقلة تلعب دورا محوريا في تغطية المناطق النائية بالتعاون مع جمعيات ومنظمات انسانية متخصصة. واوضح ان هذه العيادات تغطي نطاقات جغرافية واسعة تشمل قرى وبلدات تعاني من العزلة الطبية. واكد ان العمل مستمر لتطوير هذه الخدمات وتوسيع نطاقها حتى يتم الانتهاء من تجهيز المشافي الثابتة التي ستشكل العمود الفقري للرعاية الصحية في ريف ادلب.









