كابوس الشتاء في غزة: تهديدات صحية وجودية تلاحق النازحين
يستقبل سكان قطاع غزة موسم الشتاء هذا العام وسط ظروف معيشية بالغة القسوة تتجاوز مجرد انخفاض درجات الحرارة. حيث يجد آلاف النازحين انفسهم في مواجهة مباشرة مع مخاطر صحية وبيئية مركبة تفرضها هشاشة المأوى وتدهور البنية التحتية للصرف الصحي. وتكشف التقارير الدولية ان تراكم التحديات الناتجة عن الحرب والنزوح المستمر يجعل من الاشهر القادمة اختبارا حقيقيا لقدرة الاطفال والعائلات على البقاء في ظل نقص حاد في الخدمات الطبية والاساسية.
واوضحت المنظمات الانسانية ان المخاوف تتصاعد من احتمالية غرق مخيمات النزوح المكتظة بمياه الامطار والفيضانات. مما يعزز فرص انتشار الامراض الجلدية والمعوية بين السكان. وبينت الدراسات الميدانية ان سوء التغذية وضعف المناعة لدى الاطفال يجعلهم الفئة الاكثر عرضة للاصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة ومخاطر انخفاض حرارة الجسم التي سجلت حالات وفاة مأساوية في المواسم السابقة.
واكدت البيانات الموثقة ان نسبة كبيرة من مستشفيات القطاع خرجت عن الخدمة او تعمل بطاقة جزئية محدودة للغاية. مما يعني فقدان القدرة على استيعاب الاعداد المتزايدة من المرضى والمصابين خلال فصل الشتاء. وشددت التقارير على ان غياب الرعاية الطبية الكافية ونقص مواد التطهير والتعقيم يفاقم من ازمة انتشار الامراض المعدية التي باتت تهدد بتفش واسع النطاق في المناطق التي تفتقر لابسط مقومات الحياة.
واقع كارثي يهدد النازحين في المخيمات
وكشفت التقديرات الاممية ان غالبية سكان غزة يعيشون حاليا في مناطق تصنف ضمن الاكثر عرضة للاخطار المناخية. واضافت ان تراكم مئات الاطنان من النفايات الصلبة والطبية في محيط اماكن السكن يمثل قنبلة موقوتة تتفاعل مع مياه الامطار لتنشر السموم والاوبئة في بيئة النازحين. وبينت المنظمات ان غياب شبكات تصريف المياه يجعل من الخيام الهشة مصيدة للمياه الملوثة التي تختلط بفضلات الصرف الصحي غير المعالج.
واشار خبراء في الصحة العامة الى ان الوضع البيئي الحالي يتطلب تدخلا عاجلا لانشاء انظمة انذار مبكر وتحسين البنية التحتية للملاجئ قبل فوات الاوان. واوضحوا ان الحاجة ماسة لتوفير مواد المأوى الاساسية والملابس الحرارية والبطانيات لحماية الفئات الاكثر ضعفا من البرد القارس. واكدوا ان استمرار تجاهل هذه المتطلبات سيؤدي الى ارتفاع معدلات الوفيات والاصابات بين الاطفال والرضع الذين يعانون اصلا من تبعات النزوح القسري.
واضاف المختصون ان استراتيجية المواجهة يجب ان ترتكز على تزويد القطاع بتقنيات متطورة لتنقية المياه وتوفير اللقاحات الضرورية لمنع تفشي امراض فتاكة مثل شلل الاطفال والامراض الجلدية. وشددوا على ان حماية المرافق الصحية وضمان استمرار عملها يمثل خط الدفاع الاول ضد الانهيار الصحي الشامل. وبينوا ان المساعدات العاجلة يجب ان تشمل ايضا توفير مراكز ايواء اكثر امانا وتجهيزها بوسائل التدفئة والتطهير لمنع تحول الشتاء الى موسم للموت الجماعي.
ضرورة التحرك الدولي لانقاذ الحياة
وكشفت منظمة اليونيسف في وقت سابق عن حاجتها لتمويل عاجل يقدر بعشرات الملايين من الدولارات لتمويل عمليات الاستجابة الشتوية وحماية نصف مليون طفل من مخاطر التجمد والاوبئة. واضافت ان المساعدات المطلوبة تشمل اصلاح شبكات الصرف الصحي وتأمين الخيام وتوفير المستلزمات المنزلية الضرورية. واكدت ان الشتاء بالنسبة لاطفال غزة ليس مجرد فصل بارد بل هو تهديد وجودي حقيقي يتطلب تضامنا عالميا واسعا.
واوضح خبراء اقتصاديات الصحة ان الحل لا يكمن في المساعدات المتقطعة بل في خلق آلية مستدامة تضمن تدفق الامدادات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات تحلية المياه. وشددوا على ان الرقابة الصحية الدقيقة وحملات التطعيم الشاملة تعد جزءا لا يتجزأ من خطة انقاذ القطاع. وبينوا ان اي تأخير في تنفيذ هذه الاجراءات سيؤدي الى تداعيات كارثية يصعب السيطرة عليها في ظل استمرار الحصار والدمار.
واكدت القوى الدولية ان استمرار الوضع الراهن يضع المجتمع الدولي امام مسؤولية اخلاقية كبرى لمنع وقوع كارثة انسانية اكبر خلال الاشهر المقبلة. واضافت ان تكامل الجهود بين المنظمات الانسانية والجهات المحلية هو السبيل الوحيد لتقليل الاضرار الناتجة عن العواصف والفيضانات المتوقعة. وختمت التقارير بالتحذير من ان غزة تواجه شتاء قاسيا يتطلب استجابة استثنائية لحماية ما تبقى من فرص الحياة والكرامة الانسانية للسكان النازحين.









