بين الفتوى وأدب المواساة.. الكاتب عمر البطاينة يفتح ملف "برّ المسيحيين في مصابهم"
الوقائع الإخبارية - دعا الكاتب عمر فالح الطويل البطاينة إلى وقفة مراجعة مجتمعية وفكرية شاملة حول الطريقة التي يخاطب بها البعض الإخوة المسيحيين في أوقات فواجعهم ومصائبهم، محذراً من تحويل بيوت العزاء ولحظات الانكسار البشري إلى ميادين للامتحان العقائدي أو الجدل الفقهي العقيم.
وتوقف البطاينة، في طرحه الفكري، ملياً عند دلالة التوجيه الرباني الصريح في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، مبيناً أن النص القرآني تجاوز مجرد كف الأذى أو الاحترام السلبي إلى فريضة «البِرّ»، وهي ذات الكلمة العظيمة التي اقترنت بأقدس الواجبات في "بر الوالدين"، بما تجسده من لطف ورحمة ورعاية وجدانية فائقة.
وانتقد الكاتب بشدة المفارقة السلوكية التي تجعل البعض يسارع عند وفاة عزيز لمواطن مسيحي إلى إثارة النقاشات حول جواز الترحم من عدمه، أو الاستهزاء بقراءة الفاتحة ومواساة المتألمين، متسائلاً باستنكار: هل يكتمل الامتثال لأمر الله بمجرد الامتناع عما يراه المرء منهياً عنه فقهياً، بينما يُهمل تماماً الأمر الآخر بالبر والإحسان والعدل؟
وأوضح البطاينة أنه لا يدّعي إلغاء آية لأخرى، ولا ينكر ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من منع الاستغفار والدعاء بالرحمة الأخروية للميت غير المسلم، مؤكداً أن من حق المسلم الملتزم بهذا الرأي أن يختاره، لكن دون أن يجعل من ذلك مسوغاً للتنمر على مشاعر الحزانى أو خدش قلوبهم المفجوعة، لافتاً إلى أن لغة المواساة تتسع لعبارات نبيلة وكريمة تحقق التعزية التامة دون حرج عقائدي.
وشدد المقال على قاعدة "فقه المقامات"، مبيناً أن للعلم ومناقشة سعة الرحمة ومصائر الخلق مقاماً، وللفتوى وأروقتها مقاماً، وللعزاء ومواساة الشريك في الإنسانية والوطن مقاماً آخر خالصاً لجبر الخواطر والكلمة الطيبة، مؤكداً أنه ليس كل ما يعتقده الإنسان صواباً يُطرح على مسامع المكلومين أمام قبور موتاهم.
واختتم البطاينة رؤيته بالتأكيد على أن البر الحقيقي لا يقف عند حدود ما نمتنع عن قوله، بل يتجلى في ما نقدمه من صدق الإحسان وعمق المشاطرة الإنسانية، طارحاً سؤاله الجوهري: كيف نحقق أمر الله ببر إخواننا في الإنسانية والوطن، إن كنا لا نملك في أشد لحظات حزنهم إلا محاصرتهم بالجدل والخصومة؟








