رجال أمن مرتبكون

{clean_title}
لا تتعلق المسألة بكون مقاطع الفيديو التي أظهرت عملية القبض على مطلوب أمني، وحالة الجدل التي دارت بين مواطنين ورجال أمن على إثرها، قديمة أو جديدة، بحسب ما صدر عن مديرية الأمن العام في بيان توضيحي أصدرته عقب انتشار هذه المقاطع بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر الذي يجب التوقف عنده مطولا في هذه الحادثة، وتلك التي سبقتها الخاصة بمدير الأمن العام، هو أن هناك استقواء ولغة تشي بالتحدي تمارس بحق رجال الأمن، وهذا الاستقواء كان بسلاح الكاميرا ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ سرعان ما يستسلم رجل الأمن لحالة من التردد التي تنتابه جراء خوفه من تصويره وتناقل هذه الصور، ما يضعف من دوره في إنفاذ القانون وحفظ الأمن. حين يقف رجل الأمن أمام كاميرات المواطنين، لا بد أن يتأثر سلوكه كثيرا، ولا بد، كذلك، أن يصاب بالارتباك، خشية أن تخرج منه أي كلمة يساء تفسيرها أو "تزييفها”، بما يعرضه للمساءلة، ليصبح حائرا بين فرض هيبة القانون وبين تعرضه إلى الهجوم غير المنصف على مواقع العالم الافتراضي، وهو هجوم سيخسره بكل سهولة. في المقابل نرى أن المواطن يجد في هذا العالم الافتراضي طريقا من شأنه أن يحميه ويحول بينه وبين المحاسبة القانونية على لغة التحدي التي يمارسها لأن كثرا هم من سيتعاطفون معهم. حالة غريبة تصيب عددا من الأردنيين ممن يحاولون فرد عضلاتهم انطلاقا من أن هناك عالما افتراضيا سيهب لنجدتهم ونصرتهم لمجرد أنهم انتقدوا الحكومة أو سياسة الدولة أو رجال الأمن، وهي تقترب من أن تكون حالة من التنمر أوجدتها في الاساس سياسات حكومية خلقت فجوة ثقة مع المواطن، ما جعله يرى في أي صدام مع المؤسسة الرسمية انتصارا للحق والعدالة، حتى لو لم يكن كذلك أبدا، لذلك نراه يرفض كل شيء تقوم به الحكومة أو تفعله، ولا يثق بأي سياسة لها، ويستغل مواقع التواصل الاجتماعي ليعبر عن رفضه وعدم ثقته. في الكثير من الأحيان لا يلام الناس على حالة التنمر التي يكشفون عنها بسلوكهم تجاه المؤسسة الرسمية، فقد أرهقتهم القرارات الحكومية في الجانب الاقتصادي، لكن هذا يجب ألا يبرر أبدا في أن تتسابق نسبة كبيرة من رواد المنصات الاجتماعية على نقل المعلومات من دون الوقوف على دقتها أو التفكير بها، والتحقق من صحتها. ولا يبرر أيضا التعامل مع الأجهزة الأمنية بشكل من شأنه أن يهز صورتها. لا أحد ينكر أن هناك سلوكيات من بعض رجال الأمن مرفوضة قانونيا، وهذه حالة لا تقتصر فقط على الأردن إذ تنتشر في جميع بلدان العالم، وتفعيل مساءلة رجال الأمن الذين يكسرون القانون ضرورة ملحة يمكن أن يؤدي إلى طمأنة المواطن إلى أن حقه محفوظ وكرامته مصانة. لكن سلوكيات نسبة صغيرة جدا لا تبرر لنا اتهام جهاز أمني بأكمله ووصمه بتهمة غير حقيقية. علينا التمسك بالقانون ونصوصه بدلا من كاميرات الهواتف والبث المباشر على مواقع التواصل الاجتماعي. الواقعية تحتم علينا رفض معادلة "الكاميرا في مواجهة رجال الأمن”، ورفض لغة التحدي والجدل العقيم، لأن عواقب محاولة اغتيال هيبة الجهاز الأمني وخيمة إلى أبعد حد، فبديل ذلك الفوضى التي لا نريد أن نسير إليها. الحكومة من جانبها مسؤولة مسؤولية تامة على جعل منصات التواصل الاجتماعي قوة متعاظمة، كونها لم تحسن التعامل معها، فكل ما تحرص عليه هو ملاحقة لكل ما ينشر عليها والإسراع في التأكيد أو النفي في محاولة لتبرئة نفسها، وبالتالي أضعفت الأدوات الإعلامية المهنية، وباتت الغلبة للمواطن الصحفي، الذي لم يعد يفرق بين الغث والسمين!.

تابعوا الوقائع على