اقتصاد منطقة اليورو في مهب الريح: انكماش حاد يفاقمه التضخم وتداعيات الصراعات
يواجه اقتصاد منطقة اليورو تحديات معقدة وغير مسبوقة حيث سجل النشاط الاقتصادي انكماشا هو الاكثر حدة منذ اكثر من عامين ونصف العام في شهر مايو الحالي. وتعود هذه الحالة المتدهورة بشكل رئيسي الى الارتفاع الملحوظ في تكاليف المعيشة الذي فرضته الازمات الجيوسياسية والحروب المستمرة مما ادى الى تراجع الطلب على الخدمات ووصول التضخم في اسعار المدخلات الى مستويات قياسية لم تشهدها الاسواق منذ ثلاث سنوات ونصف العام.
واظهر مؤشر مديري المشتريات المركب الصادر عن ستاندرد اند بورز غلوبال تراجعا الى مستوى 47.5 نقطة مقارنة بـ 48.8 نقطة في الشهر السابق. وجاء هذا الانخفاض ليتجاوز توقعات المحللين ويؤكد دخول القطاع الخاص في المنطقة مرحلة انكماش للشهر الثاني على التوالي مما يعزز المخاوف من تباطؤ اقتصادي واسع النطاق خاصة وان اي قراءة للمؤشر تحت مستوى 50 نقطة تعني تراجعا في النشاط التجاري.
واكد كريس ويليامسون كبير الاقتصاديين في مؤسسة اس اند بورز غلوبال ماركت انتليجنس ان بيانات المسح تشير بوضوح الى تكبد اقتصاد منطقة اليورو خسائر متصاعدة نتيجة الصراعات الدائرة. وبين ان التوقعات الحالية ترجح انكماش الناتج المحلي الاجمالي للمنطقة بنسبة 0.2 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي مما يضع ضغوطا اضافية على صناع السياسات النقدية.
تراجع الطلب وارتفاع ضغوط التكاليف
واوضح ويليامسون ان قطاع الخدمات وهو المحرك الرئيسي للاقتصاد يعاني بشكل مباشر من ارتفاع فواتير الطاقة وتأثيرها المباشر على القدرة الشرائية للمستهلكين. واضاف ان الطلب الاجمالي شهد انخفاضا حادا حيث تراجعت الطلبات الجديدة في القطاع الخاص بوتيرة هي الاسرع منذ ثمانية عشر شهرا وهو ما انعكس سلبا على ثقة الاعمال التي هبطت الى ادنى مستوياتها منذ نحو ثلاث سنوات.
وشدد خبراء اقتصاديون على ان ضغوط التكاليف لم تعد تقتصر على الشركات بل امتدت لتطال المستهلكين بشكل مباشر مع تسارع وتيرة التضخم في الاسعار المفروضة. واشاروا الى ان البنك المركزي الاوروبي يجد نفسه امام خيارات صعبة في ظل استقرار التضخم عند مستوى 3 في المائة وهو ما يتجاوز الهدف المعلن للبنك البالغ 2 في المائة مما يفتح الباب امام احتمالات رفع الفائدة في يونيو القادم.
وكشفت البيانات عن تدهور ملحوظ في سوق العمل حيث بدأت الشركات في تقليص اعداد الموظفين للشهر الخامس على التوالي مسجلة اعلى معدل لفقدان الوظائف منذ فترة الجائحة. واشار التقرير الى ان هذا التوجه يشمل قطاعي الخدمات والتصنيع مما يعكس حالة من التشاؤم العام لدى مجتمع الاعمال تجاه المستقبل القريب.
اضطرابات الاقتصاد الالماني والفرنسي
وبينت المؤشرات ان المانيا اكبر اقتصاد في اوروبا لم تكن بمنأى عن هذه الضغوط حيث استمر انكماش نشاط القطاع الخاص للشهر الثاني على التوالي. واكد فيل سميث المدير المساعد للشؤون الاقتصادية ان الاقتصاد الالماني يتجه نحو الانكماش في الربع الثاني في ظل تراجع الزخم في قطاع التصنيع الذي كان يعتمد على بناء المخزونات لمواجهة نقص الامدادات وارتفاع الاسعار العالمي.
واضاف سميث ان تداعيات اغلاق الممرات الملاحية الحيوية لا تزال تلقي بظلالها على سلاسل التوريد مما يزيد من تسارع تضخم اسعار المدخلات. واوضح ان الشركات الالمانية تواجه ترددا كبيرا من قبل المستهلكين الذين فضلوا تأجيل الانفاق بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي التي تخيم على المشهد العام.
وخلصت التقارير الى ان فرنسا ثاني اكبر اقتصاد في المنطقة تعاني هي الاخرى من صدمة في اسعار الطاقة والوقود ادت الى انكماش نشاطها الاقتصادي بأسرع وتيرة منذ اكثر من خمس سنوات. واكد جو هايز ان البيانات المقلقة القادمة من فرنسا تظهر ان مخاطر الركود اصبحت واقعية جدا في ظل تراجع الطلبات الجديدة وارتفاع التكاليف التشغيلية التي تنهك القطاع الخاص الفرنسي.









