ابادة ما بعد الموت في غزة.. رحلة البحث عن مفقودين في مقابر محو التاريخ
يقف عبد الرحمن ابو عسكر وسط ركام مقبرة مشروع بيت لاهيا في شمال غزة بحالة من الذهول التام بعدما اختفت ملامح المكان الذي يضم رفات اقاربه. كانت هذه الارض فيما سبق شاهدة على ذكريات الفقد والحزن لاخوته واعمامه وجدته الذين تواروا عن الانظار تماما بعد اجتياح الجيش الاسرائيلي للمنطقة. واصبحت الارض تبدو كأنها ابتلعت كل شيء مخلفة وراءها غموضا قاتلا يضاعف معاناة العائلات التي فقدت حقها في معرفة مصير موتاها وتكريم ذكراهم.
واضاف عبد الرحمن انه حاول مرارا الاستدلال على مواقع القبور من خلال علامات بسيطة كشجرة قريبة او حجر مميز لكن كل تلك المعالم سويت بالارض تحت جنازير الدبابات. وبين ان المشهد الصادم جعل من المستحيل تحديد مكان دفن احبته بعد ان تناثرت الشواهد والعظام في كل اتجاه. واكد ان هذا الفعل ليس مجرد تدمير مادي بل هو كسر جديد لقلوب الاحياء الذين حرموا من ابسط حقوقهم الانسانية تجاه موتاهم.
وتابع ان ما حدث يتجاوز الفقد الطبيعي ليصل الى محو الذاكرة والهوية المرتبطة بالارض. واشار الى ان غيابا قسريا لمواقع الدفن يترك الاهالي في حالة من الحيرة والالم المستمر دون اي وسيلة للسكينة او العزاء. وشدد على ان هذه المقابر كانت تمثل ارواحا وذكريات ولا يمكن قبول اختفائها بهذا الشكل الممنهج.
أصابع مقطوعة وانتهاكات جسيمة
وكشف المواطن خالد جهاد عن تفاصيل مروعة شهدها بالقرب من مقبرة النمساوي في خان يونس حيث تعرضت القبور لعمليات نبش وتخريب متعمدة. واظهرت شهادته وجود جثث مشوهة الوجه مع فقدان لاجزاء من اصابع اليدين او القدمين فيما يرجح انه نتيجة لفحصها داخل مؤسسات طبية اسرائيلية. واوضح ان الجيش قام بتكديس الجثامين فوق بعضها البعض قبل دفنها بشكل جماعي عشوائي في مشهد يفاقم المأساة.
واضاف ان الاهالي يحاولون اعادة دفن ما يتم التعرف عليه من اشلاء في مقابر مؤقتة وسط خيام النزوح في منطقة العطار غرب جامعة الاقصى. واكد ان هذه الممارسات تعكس حجم الانتهاكات التي طالت حرمة الموتى في مختلف مناطق القطاع. وبين ان المواطنين يعيشون حالة من الرعب والتوتر الدائم خوفا من ضياع رفات ذويهم تحت جرافات الاحتلال.
واشار الى ان طمس معالم المقابر يتزامن مع عمليات تجريف واسعة طالت مناطق مثل رفح وجباليا والشيخ رضوان بهدف واضح وهو محو الاثر المادي للوجود الفلسطيني. وشدد على ان هذا السلوك يمثل اهانة صارخة للكرامة الانسانية وقواعد القانون الدولي التي تحمي حرمة القبور. واكد ان هذا التخريب يهدف الى قطع الصلة التاريخية بين الناس وارضهم.
تقويض الذاكرة الجمعية
وكشفت تقارير المرصد الاورومتوسطي لحقوق الانسان عن تدمير نحو 93.5% من مقابر قطاع غزة بشكل كلي او جزئي منذ بداية الحرب. واظهر التحليل ان 39 مقبرة دمرت بالكامل بينما اصيبت 19 مقبرة باضرار جسيمة ولم ينج سوى القليل جدا. واكد المرصد ان هذا الاستهداف ليس عشوائيا بل هو سياسة مقصودة لتقويض الذاكرة الجمعية وتفكيك الروابط الروحية والنفسية بين الفلسطينيين وارضهم.
واضاف رئيس المرصد رامي عبده ان التوثيق الميداني كشف حالات صادمة لخلط الرفات كما حدث في مقبرة البطش التي نبش فيها اكثر من 700 قبر. وبين ان صعوبة الوصول للمواقع تعيق حصر الاعداد الدقيقة للمفقودين او الجثامين التي تم العبث بها. واكد ان خلط الرفات يعرقل بشكل مباشر اي مسارات قضائية مستقبلية للكشف عن جرائم الاعدام الميداني.
واوضح ان تدمير مسرح الجريمة عبر نبش القبور هو فعل متعمد لاخفاء الادلة الجنائية التي قد تدين الاحتلال في تحقيقات دولية. وشدد على ضرورة تحرك الجنائية الدولية بشكل عاجل لادراج هذه الانتهاكات كجرائم حرب مستقلة. واكد ان محاولات طمس الحقيقة لن تنجح في اخفاء حجم الفظائع التي ارتكبت بحق المدنيين والموتى على حد سواء.
أزمة الدفن وغياب الحلول
وقال مدير دائرة المقابر في وزارة الاوقاف زياد عبيد ان الازمة الحالية تتعلق بنقص حاد في اماكن الدفن نتيجة تجريف المقابر الحدودية. واضاف ان الكثير من الاهالي اضطروا لدفن موتاهم في افنية المنازل او داخل المناطق السكنية بسبب تعذر الوصول للمقابر الرسمية. وبين ان هذا الوضع خلق واقعا مريرا يضطر فيه الناس لنقل جثامين اقاربهم الى مناطق بعيدة كدير البلح.
واضاف ان التحديات تتزايد مع استمرار العمليات العسكرية التي تمنع الوصول للجثامين او تأمينها. واوضح ان الدفاع المدني يحاول رغم الامكانيات المحدودة توثيق الانتهاكات وفق سلسلة اجراءات مهنية تبدأ بالمعاينة الميدانية. وشدد على اهمية توثيق الاحداثيات وتعبئة النماذج الخاصة لضمان حقوق العائلات في التعرف على ذويهم لاحقا.
واكد مدير الدعم الانساني محمد المغير انهم يعملون على فرز الرفات المختلطة وترميزها باكواد خاصة لحفظ كرامة الموتى. وبين انهم يقومون بحفظ عينات من الرفات في ثلاجات الطب الشرعي لتسهيل عمليات الفحص الجنائي مستقبلا. واضاف ان التوثيق المرئي والخرائط الدقيقة اصبحت جزءا لا يتجزأ من جهودهم لحفظ الحقائق وضمان عدم ضياع هوية الضحايا تحت ركام الحرب.









