خريطة طريق حاكم مصرف لبنان لإنقاذ الاقتصاد وتوزيع اعباء الفجوة المالية
كشف حاكم مصرف لبنان كريم سعيد عن ملامح استراتيجية شاملة تهدف الى انتشال البلاد من ازمتها المالية والاقتصادية الخانقة، موضحا ان هذه المنهجية تقوم على الاعتراف الواقعي بحجم الكارثة وضرورة اتخاذ خطوات عملية تشاركية بين الدولة ومصرف لبنان والبنوك التجارية. واكد سعيد ان المسؤولية عن هذا الانهيار ليست حكرا على طرف دون غيره، بل هي نتيجة تراكمات ادت الى انهيار متزامن في قدرات الدولة المالية وسيولة القطاع المصرفي وثقة الناس، مشددا على ان الحل يتطلب جدولا زمنيا واقعيا واطارا تشريعيا قويا يعيد الانتظام المالي للبلاد.
واضاف ان المبادرة التي طرحها من منبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي تهدف الى ان تكون وثيقة مرجعية اساسية تتكامل مع القوانين التي تناقشها الحكومة حاليا، مبينا ان الهدف هو تلبية شروط صندوق النقد الدولي وضمان استعادة الثقة بالقطاع المصرفي. واشار الى ان هناك توجها داخل الفريق الحكومي لاجراء تعديلات جوهرية على مشاريع القوانين الحالية، وذلك استجابة للاعتراضات التي طالت توزيع الخسائر، حيث يسعى الحاكم الى تحصين حقوق المودعين ومنع تحميلهم الجزء الاكبر من الفاتورة المالية.
وبين ان مقاربة جمعية مصارف لبنان تتفق في جوهرها على ان الازمة ليست مصرفية فحسب، بل هي ازمة بنيوية ناتجة عن سياسات مالية ونقدية خاطئة استمرت لعقود، موضحا ان الخروج من هذا النفق يستوجب بناء بيئة استثمارية شفافة تحمي ما تبقى من عناصر القوة في الاقتصاد الوطني وتضمن حقوق المستثمرين والمودعين على حد سواء.
مسارات التعافي وتوزيع المسؤوليات
واوضح حاكم المركزي ان توزيع الاعباء يجب ان يستند الى مبادئ العدالة الاجتماعية والاخلاقية، مشددا على ان المودعين هم الحلقة الاضعف والطرف الاقل مسؤولية عن الانهيار، وهو ما يفرض حمايتهم كأولوية قصوى. واكد ان الازمة اللبنانية تختلف عن الازمات العالمية الاخرى، حيث كانت الدولة هي المحرك الاساسي للتهور المالي، بينما لعب مصرف لبنان والبنوك ادوارا تفاوتت بين التواطؤ والشراكة في هذه السياسات التي اوصلت البلاد الى هذا المصير.
واضاف ان خطة التعافي ترتكز على خمسة مسارات متوازية، تبدأ بتدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان وتقييم دقيق للمصارف التجارية، مبينا ان تصنيف البنوك الى فئات قابلة للرسملة او الهيكلة او التصفية سيكون بيد هيئة مستقلة تماما عن التجاذبات السياسية. واشار الى ان استعادة حقوق المودعين تعتبر ركيزة غير قابلة للنقاش، مع التركيز على حماية صغار ومتوسطي المودعين وتوفير اليات مبتكرة لاسترداد جزء من ودائع كبار المودعين عبر مزيج من السيولة والسندات المالية.
وبين ان البنك المركزي سيعمل على تسييل كافة الاصول التي يمتلك صلاحية التصرف بها، بما في ذلك الحصص في الشركات والمحفظة العقارية وسندات اليوروبوندز، موضحا ان هذه الخطوات تهدف الى تأمين السيولة اللازمة لتمويل عملية الاصلاح في مرحلتها الاولى. واكد ان السنوات المقبلة ستكون مفصلية، حيث تتضمن المرحلة الاولى استكمال التدقيق واقرار التشريعات، بينما ستخصص السنوات التالية لاعادة الهيكلة الفعلية للقطاع المصرفي وتسوية الدين السيادي.
مراحل الاستقرار والانتقال للوضع الطبيعي
وشدد على ان الرؤية الممتدة حتى عام 2030 تهدف الى استعادة وظيفة الائتمان تدريجيا، مبينا ان نجاح هذه المراحل مرهون بالالتزام الصارم بالجدول الزمني والتعاون الجدي بين كافة الاطراف المعنية. واضاف ان رفع القيود عن حركة الرساميل لن يتم بشكل مفاجئ، بل عبر خطوات مدروسة تتواكب مع تعافي المؤشرات المالية العامة وعودة الثقة الدولية والمحلية بالقطاع المصرفي اللبناني.
واكد ان الدولة اللبنانية مطالبة اليوم بتحمل مسؤولياتها كاملة في هذه العملية الانقاذية، موضحا ان الاصلاح لا يمكن ان ينجح دون ارادة سياسية واضحة تضع المصلحة الوطنية فوق اي اعتبارات فئوية. وبين ان الهدف النهائي هو بناء اطار نقدي مستدام يمنع تكرار الاخطاء السابقة ويضمن مستقبلا ماليا اكثر استقرارا ووضوحا لكل اللبنانيين.
واضاف ان البنك المركزي سيظل حريصا على الشفافية في كل خطوة يتخذها، مشددا على ان استعادة مكانة لبنان المالية تتطلب تكاتف كافة الجهود الوطنية للبدء بصفحة جديدة قائمة على المحاسبة والمسؤولية والاصلاح الهيكلي الشامل.









