فاتورة البريكست الباهظة.. كيف تغير وجه الاقتصاد البريطاني بعد عقد من الانفصال؟
مرت عشر سنوات على الاستفتاء الذي غير مسار المملكة المتحدة وقادها نحو الخروج من الاتحاد الاوروبي، وهو الحدث الذي رسم ملامح جديدة للاقتصاد والتجارة وحركة الهجرة في البلاد. وتكشف المعطيات الرقمية الحالية عن تحولات جذرية واجهت الدولة منذ الانفصال الرسمي، حيث تعيش لندن اليوم واقعا مختلفا عما كان يطمح اليه مؤيدو هذا القرار التاريخي، وسط تحديات اقتصادية هيكلية وتغيرات في موازين القوى التجارية التقليدية.
واظهرت مؤشرات الناتج الداخلي الاجمالي ان الاقتصاد البريطاني اتبع في البداية مسار الاقتصادات المتقدمة، لكنه سرعان ما بدأ يسجل تراجعا ملموسا مقارنة بالولايات المتحدة وكندا منذ عام 2020. واكدت التقارير ان الاداء الاقتصادي للمملكة المتحدة كان ادنى من نظيره الاوروبي في فترات معينة، بينما اشار محللون اقتصاديون الى ان البلاد باتت اكثر فقرا مما كانت ستكون عليه لو بقيت ضمن المظلة الاوروبية.
وبينت البيانات المالية انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني امام اليورو بشكل حاد، مع تراجع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي بنسب تتراوح بين 6% و8%. واضاف الخبراء ان حجم الاستثمار في الاسواق البريطانية تقلص بنحو 18% عما كان متوقعا، وهو ما انعكس سلبا على مستويات التوظيف التي سجلت انخفاضا ملحوظا مقارنة بالسيناريوهات البديلة التي كانت تفترض البقاء في التكتل.
واقع الاقتصاد تحت مجهر الاصلاح
وكشف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن رغبته في اعادة ضبط العلاقة مع الجانب الاوروبي، واصفا تداعيات الخروج بانها خلفت اضرارا بالغة في بنية الاقتصاد الوطني. واوضح ان الحكومة تسعى حاليا لتحسين العلاقات دون التراجع عن قرار الاستفتاء، خوفا من ردود فعل شعبية ترفض العودة الى سياسات الاتحاد الاوروبي السابقة.
واكد وزير النمو البريطاني ان العودة الى التكتل قد تصبح خيارا حتميا امام الحكومة مستقبلا، في ظل الخسائر الكبيرة التي لحقت بالناتج المحلي الاجمالي. وشدد الوزير على ضرورة اتخاذ خطوات جريئة لمعالجة الفجوات الاقتصادية التي تسببت بها سنوات الانفصال، مستندا في ذلك الى دراسات بحثية دقيقة تقيم الاثر المباشر للقرارات السياسية على النشاط التجاري.
واشار مراقبون الى ان الحكومة البريطانية تجد نفسها امام معضلة مزدوجة، فهي مطالبة بتحسين المؤشرات الاقتصادية المنهكة وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقلالية القرار السياسي الذي نادى به الناخبون سابقا. وتظل التحديات المالية هي الهاجس الاكبر الذي يواجه صناع القرار في لندن خلال المرحلة الحالية.
عجز تجاري وتحديات التصدير
وعانت المبادلات التجارية البريطانية من هزات قوية، حيث تراجعت صادرات السلع الى الاتحاد الاوروبي بشكل ملحوظ مقارنة بمستويات ما قبل الاستفتاء. واضافت الاحصاءات ان العجز التجاري في قطاع السلع اتسع بشكل لافت، نظرا لعدم قدرة الصادرات البريطانية الى الدول غير الاوروبية على تعويض الفجوة الكبيرة التي خلفها الابتعاد عن السوق المشتركة.
وبينت الارقام ان صادرات الخدمات شهدت نموا قويا على مستوى العالم، مما ساهم في رفع اجمالي الصادرات البريطانية بشكل عام. واكدت التقارير ان هذا النمو في الخدمات لم يكن كافيا لتغطية الزيادة في الواردات، مما ادى الى ارتفاع العجز في الميزان التجاري الاجمالي ليصل الى مستويات قياسية بنهاية عام 2025.
ووضحت البيانات ان العجز التجاري البريطاني ارتفع بنحو 3 مليارات جنيه استرليني عما كان عليه في عام 2016، مما يعكس الضغوط الكبيرة التي يواجهها المصدرون في ظل القواعد الجمركية الجديدة. وتظل التوازنات التجارية واحدة من ابرز الملفات التي تتطلب مراجعة شاملة لضمان استقرار النمو في المدى البعيد.
خارطة الهجرة الجديدة في بريطانيا
وتغيرت ملامح الهجرة بشكل جذري، حيث تراجع تدفق المواطنين الاوروبيين الى البلاد بشكل كبير بعد انتهاء نظام حرية التنقل. واضافت البيانات ان الهجرة من خارج الاتحاد الاوروبي عوضت هذا النقص، لتشهد السنوات الاخيرة ارتفاعا قياسيا في اعداد الوافدين من خارج القارة العجوز.
وكشفت الارقام ان صافي المهاجرين من خارج التكتل الاوروبي وصل الى مستويات مليونية في عام 2023، بينما تحولت حركة الهجرة من الاتحاد الاوروبي لتصبح سلبية مع مغادرة الكثير من الرعايا الاوروبيين للاراضي البريطانية. واكدت السلطات ان التوجه الجديد في قوانين الهجرة ساهم في اعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية لسوق العمل.
وبينت الاحصاءات ان رحيل العمالة البولندية والاوروبية كان العنصر الابرز في تراجع الهجرة الاوروبية، مدفوعا بتحسن الاوضاع الاقتصادية في دولهم الاصلية. وتستمر الحكومة في مراقبة هذه التغيرات لضبط ايقاع سوق العمل وضمان تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني من الكفاءات والمهارات المطلوبة.









