كابوس يلاحق النازحين في غزة.. معركة ليلية ضد القوارض داخل الخيام
يواجه النازحون في قطاع غزة فصلا جديدا من المعاناة يتجاوز القصف والجوع، حيث تحولت خيامهم إلى مسرح لصراع دائم مع القوارض التي تغزو أماكن إيوائهم تحت جنح الظلام. كشفت جولات ميدانية أن هذه الكائنات باتت تهدد حياة العائلات بشكل مباشر، مما دفع الآباء والأمهات إلى البقاء في حالة يقظة دائمة لحماية أطفالهم من هجمات الجرذان التي تتسلل من بين الركام وأكوام النفايات المتراكمة.
وأوضح عدد من النازحين أنهم يتبعون تدابير بدائية ومستميتة لسد ثقوب الخيام باستخدام الحجارة والأغطية المهترئة، في محاولة يائسة لصد هذا الخطر الذي يشاركهم طعامهم وأماكن نومهم. وبينت شهادات حية أن محاولات الدفاع هذه لا تنجح دائما، مما أدى إلى تعرض العديد من الأطفال والبالغين لعضات مباشرة تركت آثارها واضحة على أجسادهم.
وأضاف الأهالي أن الخوف من تلك القوارض لا يقتصر على العض فحسب، بل يمتد ليشمل إتلاف المقتنيات القليلة المتبقية من أرز وبقوليات، مما يفاقم أزمة الأمن الغذائي داخل المخيمات المكتظة. وشدد السكان على أنهم يقضون لياليهم في رعب مستمر، حيث تتحول الخيمة من ملاذ آمن إلى مكان تنعدم فيه أبسط مقومات الطمأنينة.
متاريس الدفاع البدائية في مواجهة الخطر
وبينت السيدة عطاف النعيزي، التي نزحت من حي الشجاعية، أنها تقضي ساعات الليل وهي تترقب أي حركة حول خيمتها، مؤكدة أنها تستخدم الحجارة كخط دفاع أخير لسد المنافذ التي تتسلل منها الجرذان. وأشارت إلى أن حالتها الصحية الصعبة تزيد من معاناتها في ظل غياب أي وسيلة حقيقية للحماية، حيث تظهر على يديها ثآليل ناتجة عن التعامل مع هذه البيئة الملوثة.
وكشف المواطن أحمد حرز عن ندوب على يده ناتجة عن عضات القوارض أثناء محاولته حماية طفله الرضيع أثناء النوم. وأظهرت تجربته القاسية أن هذه المواجهات أصبحت جزءا من الروتين اليومي الذي يضطر النازحون لخوضه، حيث يخصص أحمد جزءا من وقته وجهده خلال النهار للبحث عن سموم أو وسائل لمكافحة هذه الآفات.
وأكدت العائلات أن انتشار القطط الضالة التي تعبث بالنفايات حول الخيام يزيد من حالة عدم الاستقرار البيئي والصحي، مما يجعل الحياة في العراء تجربة محفوفة بالمخاطر. وأضافت الأمهات أن أطفالهن يعانون من لسعات البعوض والأمراض الجلدية نتيجة العيش في بيئة تفتقر إلى أدنى شروط النظافة العامة.
بيئة محفزة للأوبئة وانهيار الخدمات
وأوضح عبد الرحيم أبو القمبز، المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك، أن توقف حملات المكافحة ونفاد المبيدات تسببا في تفاقم هذه الظاهرة بشكل مخيف. وبين أن ملايين الأمتار المكعبة من الركام وبرك الصرف الصحي أصبحت بيئة مثالية لتكاثر القوارض بمعدلات قياسية، مما يجعل السيطرة عليها أمرا بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية.
وأضاف أبو القمبز أن البلديات تعاني من نقص حاد في الآليات والوقود، مما يحد من قدرتها على إزالة النفايات المتراكمة التي توفر مصادر غذاء دائمة للقوارض. وشدد على أن المبيدات التي دخلت إلى القطاع مؤخرا لا تلبي سوى جزء ضئيل جدا من الاحتياجات الفعلية المقدرة بمئات الأطنان.
وحذر من أن هذه الكائنات تعمل كخزانات متحركة للأمراض، ناقلة العدوى عبر البول والبراز والبراغيث، مما ينذر بكارثة صحية أوسع نطاقا. وأكد أن التعامل غير المتخصص مع المواد الكيميائية من قبل المواطنين قد يؤدي إلى مخاطر سمية إضافية تهدد سلامة العائلات.
مخاطر صحية وتحذيرات طبية
وكشف الدكتور عبد الرحمن أبو رحمة، مدير عام الطب الوقائي، أن الوزارة بدأت برصد مئات الحالات المرتبطة بعضات القوارض والإصابات الجلدية المرتبطة ببيئة المخيمات. وأظهرت البيانات الطبية أن سوء التغذية وضعف المناعة لدى النازحين يجعلهم أكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة الناتجة عن هذه العدوى.
وأضاف أبو رحمة أن الوزارة عممت بروتوكولات علاجية للتعامل مع العضات، إلا أن استمرار الظروف البيئية المتردية يجعل الوقاية شبه مستحيلة. وشدد على ضرورة التدخل الدولي العاجل لتوفير المبيدات المتخصصة ودعم قطاع النظافة لمنع تحول هذه الظاهرة إلى أزمة أوبئة لا يمكن السيطرة عليها.
وأكدت التقارير الدولية الصادرة عن جهات أممية أن القوارض باتت ترصد في النسبة الأكبر من مواقع النزوح، وهو ما يعكس حجم التدهور البيئي الذي يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، وسط دعوات بضرورة التحرك قبل تفاقم الوضع الصحي بشكل أكبر.









