حصيلة الاقتصاد التونسي بين صمود الارقام ومعاناة المواطن اليومية
تتأرجح ملامح الاقتصاد التونسي اليوم بين مؤشرات استقرار كلية تروج لها السلطات وبين واقع معيشي لا يزال يرزح تحت وطأة التحديات الصعبة. بعد مرور سنوات على بدء المسار السياسي الجديد. تحاول الدولة تقديم صورة لنجاحها في تفادي الانهيار المالي وتأمين التوازنات الكبرى. بينما يرى مراقبون ان هذا الاستقرار لا يزال هشاً ويفتقر الى محركات نمو حقيقية قادرة على تغيير حياة التونسيين بشكل ملموس. واظهرت البيانات الرسمية وجود حالة من التباين بين لغة الارقام التي تتحدث عن تعافي تدريجي وبين واقع الشارع الذي يواجه استمرار تراجع القدرة الشرائية وضعف الاستثمارات الجديدة.
واكدت التقديرات الحكومية الاخيرة تحقيق نسبة نمو متواضعة خلال الفترة الماضية بفضل انتعاش مواسم فلاحية معينة وقطاع السياحة. واضاف الخبراء ان هذا النوع من النمو يظل مرتبطا بعوامل ظرفية لا تضمن استدامة الاقتصاد الوطني او قدرته على خلق فرص عمل دائمة. وبينوا ان الاقتصاد التونسي ما يزال يدور في حلقة مفرغة من معدلات النمو الضعيفة التي لا تكفي لاستيعاب افواج الخريجين الجدد في سوق العمل.
واوضح المختصون ان غياب الاصلاحات الهيكلية العميقة يضع البلاد امام تحديات حقيقية لاستعادة زخم الاستثمار الخاص. وشددوا على ان الارقام المسجلة لا تعبر عن تحول نوعي في هيكلة الاقتصاد التونسي بل هي مجرد تعبير عن قدرة الدولة على ادارة الازمات المتلاحقة دون الوصول الى مرحلة الاقلاع الاقتصادي الحقيقي.
مفارقة التضخم واعباء المعيشة
وكشفت تقارير المعهد الوطني للاحصاء عن تراجع نسبي في معدلات التضخم مقارنة بالسنوات الماضية وهو ما تعتبره الجهات الرسمية انجازا هاما. واضاف المواطنون ان هذا التراجع في الارقام لم يترجم الى انخفاض فعلي في اسعار السلع والخدمات التي ظلت مرتفعة ومثقلة لكاهل الاسر. وبين الخبراء ان انخفاض التضخم يعني فقط تباطؤ وتيرة غلاء الاسعار وليس عودتها الى مستويات ما قبل الازمة.
واشار المتابعون للشأن الاقتصادي الى ان تراكم زيادات الاسعار طوال السنوات الخمس الماضية جعل القدرة الشرائية في ادنى مستوياتها. واكدوا ان السيطرة على التضخم تظل ناقصة ما لم تقترن بتحسن حقيقي في الانتاجية وارتفاع في اجور الطبقات العاملة التي تضررت بشدة من التضخم المتراكم.
واضاف ان استمرار الضغوط على ميزانيات الاسر يعكس الفجوة الكبيرة بين السياسات النقدية والواقع الاجتماعي. وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية لضبط هوامش الربح ورقمنة مسالك التوزيع للحد من تغول الاسعار التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي.
استقرار مالي بكلفة اجتماعية
واعتبرت السلطات ان الوفاء بالتزامات الديون الخارجية دون اللجوء الى اعادة الجدولة يعد مؤشرا قويا على متانة الاقتصاد. واضافت ان الاعتماد على التمويلات الداخلية ساعد الدولة في تجنب التعثر المالي رغم تعطل مسارات التمويل الخارجي. وبينت الارقام الرسمية انخفاضا طفيفا في نسبة الدين العمومي مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي.
واشار المحللون الى ان هذا الانضباط المالي تحقق على حساب الاستثمار العمومي والتنمية في الجهات. واضافوا ان خدمة الدين تستنزف جزءا كبيرا من ميزانية الدولة مما يقلص الفرص المتاحة لتطوير البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة. واكدوا ان التحدي القادم يكمن في كيفية الموازنة بين سداد الديون وبين تحفيز النمو الاقتصادي.
واضاف ان سوق العمل لا تزال تعاني من ارتفاع معدلات البطالة خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات العليا. وبينت المؤشرات ان طبيعة النمو الاقتصادي الحالي لا تخلق فرص عمل كافية ذات قيمة مضافة عالية. وشدد الخبراء على ان الاصلاح الحقيقي يبدأ من تحويل الاستقرار المالي الى مشاريع تنموية ملموسة تساهم في تحسين المستوى المعيشي العام.









