جروح غزة الخفية: قصص ناجين فقدوا حواسهم وذاكرتهم في الحرب

جروح غزة الخفية: قصص ناجين فقدوا حواسهم وذاكرتهم في الحرب

كشفت الحرب المستمرة في قطاع غزة عن ندوب عميقة لا تقتصر على الاصابات الجسدية الظاهرة بل تمتد لتطال الحواس والذاكرة في قصص انسانية مؤلمة. وأظهرت تجربة الشاب رمضان الاشرم الذي فقد بصره اثر رصاصة قناص استقرت في رأسه كيف تحولت حياته الى ظلام دائم بعد ان استأصل الاطباء عينه اليمنى. واضاف رمضان في حديثه انه لم يتمكن من رؤية طفله البكر انس الذي ولد في نفس يوم اصابته ليعيش بعد ذلك معتمدا بشكل كلي على زوجته في ابسط تفاصيل يومه.

وبين رمضان ان اصعب ما واجهه خلال النزوح القسري كان شعوره بالعجز بعد ان كان رجلا يعتمد على نفسه في عمله وتفاصيل حياته. واشار الى انه ينتظر تحويلة طبية للخارج على امل استعادة جزء من بصره في عينه اليسرى التي لا تزال تعاني من آثار الاصابة. واكد ان فقدان البصر غير مجرى حياته بالكامل وجعل كل خطوة يخطوها تحتاج الى يد تقوده.

واوضح ان ذكرياته قبل الحرب اصبحت حاضرة في ذهنه بينما الواقع الحالي فرض عليه تحديات يومية قاسية. وشدد على ان الالم الذي يعيشه لا يقتصر على عدم الرؤية بل في الشعور بانه اصبح عبئا بعد ان كان سندا لعائلته. وبين ان التضامن الاسري هو الشيء الوحيد الذي يخفف من وطأة هذه المعاناة المستمرة.

قصص الفقد والاجساد المبتورة

وتحدث الطفل كنان ابو جبة الذي فقد ذراعه وعائلته في قصف استهدف منزلهم في جباليا عن معاناته مع الاعاقة الدائمة. واظهر كنان براءته وهو يحاول اللعب بيده الواحدة مع اقرانه مؤكدا ان الطرف الصناعي الذي حصل عليه اصبح صغيرا ولا يلبي احتياجاته المتزايدة مع نموه. وكشفت كلمات الطفل عن شوقه الكبير ليمارس حياته كباقي الاطفال وان يمسك الكرة بيديه الاثنتين.

واضاف كنان انه لا يزال يتذكر اللحظات التي قضاها تحت الانقاض قبل ان تنتشله ايدي المنقذين حيا بعد استشهاد والديه واشقائه. وبين ان فقدان الذراع لم يمنعه من محاولة التكيف مع واقعه الجديد رغم حاجته الماسة لاعادة التأهيل. واكد ان طموحه في العيش بشكل طبيعي لا يزال حاضرا رغم كل ما فقد من جسده وعائلته.

واشار كنان الى ان يده المبتورة تذكره دائما بحجم الفقد الذي تعرض له في طفولته. واوضح ان الامل في الحصول على طرف جديد يدفعه لمواصلة حياته رغم قسوة الظروف المحيطة به في مراكز النزوح. وشدد على ان الاطفال في غزة يحملون جراحا اكبر من اعمارهم الصغيرة.

حواس مفقودة وذاكرة معطلة

وتعرضت السيدة كوثر نصر لصدمة من نوع آخر حيث فقدت حاستي الشم والتذوق تماما اثر تهتك في اعصابها بعد قصف منزلها. وقالت كوثر ان فقدان هذه الحواس جعل طعم الحياة يتغير واصبح الطعام بالنسبة لها وسيلة للبقاء فقط لا للاستمتاع. وبينت ان عدم شعورها بالروائح جعلها تعيش في عالم مختلف تماما عن المحيطين بها.

واضافت كوثر انها فقدت زوجها وابناءها في ذات القصف الذي اصابها مما ضاعف من حجم المها النفسي والجسدي. واوضحت ان الاطباء اخبروها باحتراق عصب الشم وان استعادة التذوق تتطلب علاجا كهربائيا معقدا قد لا تتوفر امكانياته في ظل الحصار. واكدت ان فقدانها للاحساس بالاشياء جعل كل شيء يبدو متشابها وبلا معنى.

واشار الى ان تربيتها لحفيدتيها الناجيتين من القصف يمثل الدافع الوحيد لها للاستمرار في الحياة رغم فقدانها لاهم حواسها. وبينت ان ذكرياتها القديمة هي الحصن الاخير الذي تلجأ اليه في ظل واقع فقدت فيه كل التفاصيل الجميلة. وشددت على ان الجرح الداخلي الذي اصابها لا يقل حدة عن الجروح الجسدية.

صدمات الحرب التي اوقفت الزمن

وتوقفت ذاكرة المواطنة عايدة عند لحظة فقدان ابنائها حيث دخلت في غيبوبة طويلة بعد ان اخبروها باستشهادهم. واظهرت ابنتها سهام ان والدتها اصبحت تتعامل كطفلة صغيرة تحتاج للرعاية الدائمة بعد ان فقدت قدرتها على الكلام والبلع. وبينت ان الصدمة ادت الى تعطل احاسيس كثيرة لديها لكن ذاكرتها ظلت عالقة عند لحظة الفقد.

واضافت سهام ان والدتها لا تزال تعاني من اثار الاصابة التي تعرضت لها تحت الانقاض. واوضحت ان المفارقة تكمن في ان ذاكرتها القديمة تعمل بشكل جيد بينما يبدو الزمن الحاضر بالنسبة لها متوقفا تماما. واكدت ان العناية بوالدتها اصبحت مهمة يومية شاقة في ظل شح الامكانيات الطبية.

واشار الى ان حالة عايدة تعكس حجم الضرر النفسي الذي خلفته الحرب على كبار السن. وبينت ان فقدان الشغف بالحياة والقدرة على التفاعل مع المحيط هما ابرز ملامح معاناتها. وشددت على ان الحرب سرقت منها ابناءها وعقلها في آن واحد.

تحديات البقاء في غزة

وتواجه الشابة عزة العمور تحديا كبيرا بعد فقدانها للسمع واصابتها بشلل نصفي اثر قصف استهدفها اثناء تقديم امتحاناتها الجامعية. وقالت والدتها ان عزة تستخدم دفترا صغيرا للتواصل مع العالم الخارجي بعد ان اصبحت لغة الاشارة هي وسيلتها الوحيدة. واوضحت ان ابنتها لا تزال تصر على اكمال دراستها في الارشاد النفسي رغم كل ما تعانيه من اعاقة.

واضافت ان عزة استعادت قدرتها على المشي ببطء شديد وبدأت تحاول التكيف مع فقدان السمع. وبينت ان اصرارها على النجاح يمثل رسالة تحدي لكل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب. واكدت ان ابنتها لا تزال متمسكة بالحياة رغم انها فقدت اجزاء غالية من قدراتها الجسدية.

واشار الى ان قصص هؤلاء الناجين تعكس واقعا مريرا لا يمكن اختصاره في ارقام الشهداء والجرحى فقط. وبينت ان هناك آلاف القصص المشابهة التي تحتاج الى تسليط الضوء عليها في ظل الصمت الدولي. وشددت على ان غزة ستظل شاهدة على تضحيات ابنائها الذين دفعوا اثمانا باهظة من اجسادهم وحواسهم.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions