رسالة عمّان مسؤولية وطنية.. أين دور مؤسساتنا في حماية الشباب من الفكر المتطرف والتجنيد؟
الوقائع الإخباري - في ظل ما يشهده الأردن من تحديات أمنية، وما تثيره الأحداث المرتبطة بالإرهاب والتطرف من مخاوف على أمن المجتمع واستقراره، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لدور المؤسسات الوطنية في حماية الشباب من الأفكار المتطرفة، ومواجهة محاولات استقطابهم وتجنيدهم عبر الوسائل التقليدية والمنصات الرقمية الحديثة.
لقد أطلق جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله رسالة عمّان عام 2004 لتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح، ومواجهة الغلو والتطرف، والتأكيد أن الإسلام دين رحمة واعتدال واحترام للإنسان. ولم تكن هذه الرسالة مجرد خطاب يُستذكر في المناسبات، بل مشروعًا فكريًا وحضاريًا يستوجب أن يتحول إلى ممارسة مؤسسية وبرامج وطنية تصل إلى كل بيت ومدرسة وجامعة ومسجد.
وهنا يبرز السؤال: أين نحن اليوم من تفعيل مضامين رسالة عمّان في مؤسساتنا الدينية والتربوية والتعليمية، وفي فضائنا الرقمي الذي أصبح ساحة مفتوحة للتأثير في عقول الشباب وتوجهاتهم؟
إن مواجهة الفكر المتطرف لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها، بل تتطلب أيضًا وقاية فكرية وتربوية واجتماعية، تبدأ ببناء الوعي، وتعزيز الانتماء الوطني، وتنمية التفكير النقدي، وتحصين الشباب من التضليل والاستقطاب، وتوفير مساحات للحوار والنقاش المسؤول.
ومن هنا، فإن المسؤولية تستدعي تحركًا مؤسسيًا أكثر تكاملًا من الجهات المعنية، وفي مقدمتها:
_ وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية: لتفعيل رسالة عمّان من خلال خطاب ديني معاصر، وبرامج توعوية رقمية موثوقة، وتأهيل الأئمة والوعاظ لمواجهة الخطاب المتشدد بالحجة والعلم والحوار، وتوضيح خطورة توظيف الدين لخدمة العنف والتطرف.
- وزارة التربية والتعليم: لتعزيز قيم الاعتدال والتسامح واحترام الاختلاف في البيئة المدرسية، وتنمية قدرة الطلبة على التمييز بين المعرفة الموثوقة والمعلومات المضللة، وتدريب المعلمين والمرشدين التربويين على التعامل الواعي مع مظاهر التعصب والتحريض.
- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: لتفعيل دور الجامعات في تحصين الوعي الشبابي، وتشجيع البحث العلمي حول أسباب التطرف وآليات التجنيد الرقمي، وإطلاق مبادرات طلابية تعزز الحوار والمواطنة المسؤولة، وتوظف طاقات الشباب في خدمة المجتمع.
_ المؤسسات الإعلامية والجهات المعنية بالتحول الرقمي والشباب: لتعزيز الوعي بمخاطر الاستقطاب عبر الإنترنت، وتطوير محتوى رقمي جاذب وموثوق ينافس الخطابات المتطرفة، ويمنح الشباب بدائل إيجابية للتعبير والمشاركة والانتماء.
إن الخطر في العصر الرقمي لا يكمن فقط في انتشار الأفكار المتطرفة، بل في قدرة بعض الجهات على استغلال مشاعر الشباب، وأزماتهم، وأسئلتهم، وشعورهم بالتهميش أو غياب الفرص، لتجنيدهم فكريًا أو دفعهم نحو سلوكيات تهدد أمنهم وأمن مجتمعهم.
لذلك، فإن المطلوب ليس مجرد محاضرات موسمية أو ندوات تنتهي بانتهاء فعالياتها، بل خطة وطنية مستدامة لتفعيل رسالة عمّان، تتكامل فيها أدوار الوزارات والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، وتقوم على برامج ميدانية ورقمية قابلة للتقييم، وتستند إلى الدراسات العلمية لفهم أسباب التطرف وطرق الوقاية منه.
كما أن الجامعات مطالبة بألا تكتفي بتخريج الكفاءات العلمية، بل أن تسهم في بناء الإنسان الواعي القادر على التفكير والتحليل والحوار، وأن تفتح أمام الشباب أبواب المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي والمبادرات الرقمية الهادفة؛ فالشباب الذين يجدون فرصًا حقيقية للمشاركة والإبداع وخدمة وطنهم هم أكثر قدرة على بناء مستقبلهم بعيدًا عن مسارات الاستقطاب والتضليل.
إن حماية الأردن مسؤولية مشتركة، والأمن الفكري لا يقل أهمية عن الأمن المادي. فالأمن يبدأ من الأسرة، ويتعزز في المدرسة والجامعة والمسجد، ويمتد إلى الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى كل مؤسسة قادرة على التأثير في وعي المواطن.
رسالة عمّان ليست وثيقة نعتز بها فحسب، بل مسؤولية وطنية تستدعي العمل والتخطيط والتنفيذ. وفي هذه المرحلة، نحتاج إلى الانتقال من الحديث عن الاعتدال إلى صناعة الوعي، ومن الاحتفاء بالرسالة إلى تفعيل مضامينها، ومن ردود الفعل المؤقتة إلى الوقاية المستدامة.
فهل آن الأوان لأن تتحول رسالة عمّان إلى برنامج وطني متكامل لحماية شبابنا من التطرف والتجنيد، وتعزيز وعيهم الديني والوطني والرقمي؟
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحمى شبابه من كل فكر يستهدف عقولهم أو يستغل طاقاتهم أو يهدد مستقبلهم
#رسالة_عمّان
#الأردن
#حماية_الشباب
#مكافحة_التطرف
#الوعي_الرقمي
#الأمن_الفكري









