ازمة الدواء في العراق.. تكاليف علاج السرطان تثقل كاهل المرضى
تجد ام مصطفى نفسها اليوم امام تحد من نوع خاص داخل عيادة طبية في قلب بغداد. حيث تضع بين يديها وصفة طبية تحولت الى ورقة محملة بالهموم والارقام التي تفوق قدرتها المالية. تعاني السيدة الاربعينية من سرطان الثدي الذي يتطلب بروتوكولا علاجيا دقيقا ومعقدا. وتبرز المعضلة في توفير دواء تراستوزوماب ديروكسيتكان المعروف تجاريا باسم انهيرتو. والذي بات الحصول عليه يتطلب ميزانية قد تصل الى 1800 دولار للجرعة الواحدة.
واوضحت المريضة ان رحلة البحث عن العلاج لا تقل قسوة عن المرض ذاته. اذ تضطر الى متابعة توفر الدواء في الصيدليات الخاصة وسط مخاوف مستمرة من انقطاع الامدادات او تأخر مواعيد الجرعات المحددة من قبل الفريق الطبي. وتظل هذه الفجوة بين الخطة العلاجية المرسومة على الورق والقدرة على تنفيذها على ارض الواقع تشكل ضغطا نفسيا وماديا يثقل كاهل العائلات العراقية.
وكشفت المعطيات الميدانية ان استيراد وزارة الصحة لهذا العقار لا يعني بالضرورة تغطية كاملة لاحتياجات جميع المرضى. اذ تتباين الكميات المطلوبة بناء على وزن المريضة والبروتوكول الطبي المتبع. مما يجعل العديد من الحالات في مواجهة مباشرة مع خيار البحث عن تمويل شخصي لتأمين العلاج الضروري.
تحديات الرعاية الصحية في المحافظات
وبينت تجارب مرضى اخرين ان معاناة الحصول على العلاج لا تقتصر على العاصمة بغداد وحدها. ففي محافظة ديالى تروي علياء سعدون ذات الـ 35 عاما تفاصيل رحلتها مع المرض. حيث بدأت العلاج الكيميائي في مدينتها ثم اضطرت للانتقال بين مراكز صحية متعددة للحصول على جلسات الاشعاع المطلوبة.
واضافت ان هذا التنقل المستمر بين المحافظات والمراكز يضاعف من معاناة المرضى ويضيف اعباء مالية ولوجستية كبيرة. حيث لا يزال نقص بعض الادوية التخصصية وصعوبة الوصول الى الخدمات الطبية المتكاملة يمثلان تحديا حقيقيا يواجه شريحة واسعة من المصابين في مختلف انحاء العراق.
واكدت التقارير الصحية ان غياب المركزية في توزيع الادوية السرطانية وتفاوت الامكانات بين المحافظات يؤديان الى فجوات في تقديم الرعاية الصحية. مما يستدعي تحركا عاجلا لضمان عدالة التوزيع وتوفير الادوية الاساسية في جميع المراكز العلاجية دون استثناء.
اهمية التشخيص المبكر في مسار العلاج
واظهرت تجربة نورا سمير الموظفة الثلاثينية صورة مختلفة تماما عن مسار المرض. حيث ساهم الكشف المبكر عن اصابتها بسرطان الثدي في وضع خطة علاجية ناجحة داخل العراق. مما مكنها من استكمال مراحل العلاج الجراحي والدوائي بانتظام دون مواجهة معوقات في الحصول على الجرعات المقررة.
واضافت نورا ان وجود دفتر صحي منظم وسهولة الوصول الى العلاج في الوقت المحدد كانا العاملين الحاسمين في استقرار حالتها الصحية. بينما تبرز هذه التجربة اهمية الوعي المجتمعي بضرورة الفحص الدوري لاكتشاف الاورام في مراحلها الاولى التي تضمن نسب شفاء اعلى وتكاليف علاجية اقل.
واكد الاطباء ان المقارنة بين الحالات لا تعني تماثل تجارب المرضى. اذ تظل العوامل المرتبطة بنوع الورم ومرحلة انتشاره حاسمة في تحديد مسار العلاج. ومع ذلك يبقى توفر الدواء في وقته عاملا مشتركا لا يمكن الاستغناء عنه لضمان نجاح البروتوكولات الطبية المعتمدة.
استراتيجيات التعامل مع ملف الاورام
وقال الدكتور وئام عبد الفتاح مدير مستشفى الاورام التعليمي ان علاج السرطان عملية معقدة لا تخضع لمسار موحد. حيث يتم تحديد الخطة العلاجية بناء على خصوصية كل حالة. مشيرا الى ان تعدد الخيارات العلاجية عالميا يجعل من توفير كافة الادوية تحديا امام الانظمة الصحية في مختلف الدول بما فيها العراق.
واضاف ان وزارة الصحة تعمل وفق خطط استيراد سنوية لتوفير الادوية الاساسية. بينما يقوم مجلس السرطان بدور الوسيط الفعال بين المرضى والمؤسسات الصحية. من اجل توجيه الحالات نحو العلاج الانسب سواء كان ذلك داخل البلاد او من خلال التنسيق لتلقي العلاج في مراكز متخصصة خارجها.
واكد ان النتائج التي تعلنها الشركات المصنعة للادوية لا تعني استجابة فورية لدى الجميع. مما يفرض على الكوادر الطبية تقييم كل حالة بشكل مستقل قبل اعتماد العلاج. موضحا ان المؤسسات الصحية تبذل اقصى جهودها لادارة الموارد المتاحة بافضل طريقة ممكنة في ظل ضغوط الطلب المتزايد.
مقترحات لتخفيف العبء المالي
وكشف الدكتور محمد شيرخان المستشار في القطاع الصحي عن ضرورة اعتماد ما يعرف بـ الدولار الدوائي. وذلك عبر تثبيت سعر صرف خاص لاستيراد الادوية. مؤكدا ان هذا الاجراء يعد ضرورة عاجلة لحماية اسعار الادوية من تقلبات السوق وضمان بقائها في متناول المواطنين.
واضاف ان الالية المقترحة تتضمن تنسيقا مباشرا بين البنك المركزي ووزارتي المالية والصحة لتحويل مستحقات الموردين مقابل فواتير موثقة. مع ربط هذا الدعم بضوابط صارمة للتسعيرة. لمنع تحول الدعم الحكومي الى ارباح اضافية في حلقات التوزيع والوساطة.
واشار الى ان الخطوات الحكومية الاخيرة المتعلقة بإنشاء صندوق لدعم مرضى السرطان تمثل بادرة امل كبيرة. حيث من المتوقع ان يساهم هذا الصندوق في حال تفعيل اجراءاته بشكل كامل في تخفيف الاعباء المالية عن كاهل المرضى وتوفير تغطية اوسع للادوية التخصصية باهظة الثمن.









