حكاية خليل سالم: ثمانيني غزي يحمل جراح الفقد ومسؤولية 21 حفيداً بين ركام منزله

حكاية خليل سالم: ثمانيني غزي يحمل جراح الفقد ومسؤولية 21 حفيداً بين ركام منزله

في زاوية من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، يقضي المسن الفلسطيني خليل سالم، المعروف بـ ابو اكرم، ساعات عصره امام ركام منزله المدمر. هذا الرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره، يختزل في تجاعيد وجهه وارتجاف يديه حكايات اجيال من المعاناة، بدءا من النكبة وصولا الى حرب الابادة الحالية التي سلبت منه زوجته وثلاثة من ابنائه ومعظم افراد عائلته الممتدة. يجلس ابو اكرم مستندا الى عكازه، محاطا بجدران سوداء خلفتها النيران، حيث تحول المكان الى مزار يومي للذاكرة وملاذ لاحفاده الايتام الذين باتوا كل ما تبقى له في هذه الدنيا.

واضاف ابو اكرم ان الحياة توقفت في تلك الليلة الفاصلة من ديسمبر، حين استهدفت غارات الاحتلال المربع السكني الذي كان يضم عائلته، مما ادى الى استشهاد نحو 80 فردا من اقاربه. واكد ان نجاته من تلك المجزرة كانت اشبه بالمعجزة، رغم اصابته البليغة في الرقبة والرأس التي تطلبت عشرات الغرز، تاركة اياه بجسد منهك لا يقوى على الحركة دون عكاز، لكنه ورغم جراحه يرفض الاستسلام ويواصل دوره كمعيل وحيد لواحد وعشرين حفيداً فقدوا آباءهم وامهاتهم.

وبين ان مسؤوليته تجاه هؤلاء الاطفال تفوق طاقته الجسدية، فهو يراقب احتياجاتهم ويشرف على طعامهم ويحاول تعويضهم عن غياب الحنان الابوي، موضحا ان المكان الذي يقطنه حاليا اصبح يشكل رابطا عاطفيا يربطه بمن رحلوا، حيث يصر على البقاء بالقرب من ركام بيته ليبقى قريبا من رائحة ذكرياته التي يحاول توريثها للصغار.

ذاكرة الصمود في وجه الفقد

وكشف ابو اكرم عن طقوسه اليومية التي تتمركز حول صورة ابنه البكر الشهيد محمد، التي وضعها في مكان بارز امام غرفته المتواضعة. واشار الى انه يحرص في كل مساء على جمع احفاده ليحدثهم عن آبائهم، وعن تفاصيل حياتهم البسيطة التي سرقها القصف، مؤكدا ان هدفه هو حماية تاريخ عائلته من الضياع وضمان ان يكبر الاطفال وهم يعرفون هوية من سبقوهم الى الشهادة.

واوضح ان اكثر ما يؤلمه ليس فقط فقدان الاحبة، بل ضياع المقتنيات والصور والاشياء الشخصية التي كانت تمثل روابط مادية مع زوجته وابنائه الراحلين. وشدد على ان البيت المدمر يظل الشاهد الاخير على وجودهم، حيث يجد في البقاء بجانبه نوعا من الامان النفسي الذي يساعده على مواجهة قسوة الواقع والذكريات المؤلمة التي تلاحقه في كل زاوية.

واكد ان الاطفال يجدون في جدهم الملاذ الوحيد وسط عالم مليء بالخوف، حيث يوزع نظراته عليهم باحثا عن ملامح آبائهم في وجوههم. وتابع ان هذه المسؤولية الثقيلة تجعل من يومه كفاحا مستمرا من اجل تأمين لقمة العيش وتوفير الدفء العاطفي، رغم ان جسده المتعب يئن تحت وطأة الاصابة والسنوات الطويلة التي قضاها في مواجهة الحروب.

قصص الأحفاد بين الأسر والشهادة

واظهرت الحكاية جانبا مأساويا يتعلق ببعض احفاده الذين شهدوا لحظات استشهاد والدهم امام اعينهم، مما جعلهم يحملون جروحا نفسية غائرة تسبق اعمارهم الصغيرة. وذكر ان الطفل عدي، الذي فقد والديه، يحظى برعاية خاصة من جده، حيث يجد ابو اكرم في عيني هذا الطفل انعكاسا لوجع ابنته الراحلة، مما يدفعه لمضاعفة جهوده في احتضانه والعناية به رغم كل الظروف القاسية.

واضاف ان العائلة لم تكتفِ بتقديم الشهداء، بل طالتها نيران الاسر، حيث خاض ابنه الوحيد المتبقي وتجربة قاسية في سجون الاحتلال، وكذلك حفيده يوسف الذي خرج من المعتقل منهكا بعد سنوات من القهر. وبين ان تداخل هذه المصائر في بيت واحد جعل من اسرة ابو اكرم نموذجا مصغرا لمعاناة الغزيين الذين جمعوا بين الفقد والاصابة والاسر والتهجير.

واختتم ابو اكرم حديثه موضحا ان تمسكه بالبقاء في مكانه رغم تهديدات قوات الاحتلال لم يكن قرارا عشوائيا، بل كان موقفا اخلاقيا ووجدانيا. واكد ان مغادرة المكان تعني بالنسبة له التخلي عن آخر خيوط الذاكرة التي تربطه بزوجته وابنائه، لذا سيظل صامدا في موقعه يحمل عكازه ويحمي احفاده، متمسكا بحقه في البقاء رغم كل محاولات المحو التي تحيط به.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions