خنق الروح النابضة للقدس.. كيف تحول باب العامود من ملتقى اجتماعي الى ثكنة عسكرية؟
تحول باب العامود الذي طالما شكل القلب النابض لمدينة القدس وواجهة التلاقي العفوي بين اهلها الى مساحة تملؤها القيود والترقب. فقد اعتاد المقدسيون على مر العقود ان يجعلوا من درجات هذا الباب التاريخي مقصدا يوميا للراحة وتبادل الاحاديث واللقاءات الاسرية والاجتماعية التي تعكس هوية المدينة وحيويتها.
واضافت شيماء عبد ربه وهي احدى ساكنات المدينة ان المكان الذي كان يوما ما يضج بالحياة وذكريات الطفولة اصبح اليوم مكانا يثير القلق والتوتر نتيجة الممارسات الاحتلالية المستمرة. وكشفت شيماء ان التغييرات التي طرات على المكان لم تؤثر فقط على حرية الحركة بل امتدت لتطال الذاكرة الجماعية والفردية للمقدسيين الذين باتوا يواجهون صعوبة في ممارسة حياتهم الطبيعية في هذا الحيز العام.
واكدت ان الخوف الذي اصاب الاطفال جراء المشاهد العنيفة والمواجهات المتكررة دفع العديد من العائلات الى محاولة ابتكار طرق جديدة لربط ابنائهم بهويتهم المكانية بعيدا عن الرعب. واوضحت ان محاولاتها في تحويل درجات الباب الى مساحة للعب والتعلم مع اطفالها كانت بمثابة فعل مقاومة ناعم يهدف الى استعادة الالفة مع المكان رغم كل محاولات التضييق.
مقاومة الخوف في ساحات القدس
وبينت شيماء ان نجاحها في استبدال صور الخوف في ذاكرة طفلها بصور اخرى مليئة بالنشاط واللعب يعكس ارادة المقدسيين في التمسك بحقهم في الوجود. وشددت على ان الهدف لم يكن تجاهل الواقع القاسي بل تعليم الاجيال الناشئة ان الحياة والامل يظلان ممكنين حتى في ظل اقسى الظروف.
واظهرت الممارسات الميدانية ان تحويل باب العامود الى ثكنة عسكرية ليس اجراء عابرا بل سياسة ممنهجة تهدف الى تفريغ المكان من رواده الفلسطينيين. واضاف الناشط المقدسي رمزي العباسي ان الباب الذي كان يوصف بانه دار الاب والام لكل مقدسي اصبح اليوم يتيما يفتقد احبته الذين منعوا من الجلوس والاستمتاع بساحاته التاريخية.
واوضح العباسي ان وجود ابراج المراقبة والكاميرات التي تراقب كل شاردة وواردة حول المكان الى نقطة تفتيش دائمة تهدف الى تحطيم الروابط الاجتماعية. واكد ان هذه المنغصات ورغم قسوتها لن تفلح في نزع ارتباط الاجيال بهذا المعلم الذي سيظل رمزا للسيادة والصمود والتحدي.
باب العامود.. استهداف للهوية والسيادة
وبين الباحث الاكاديمي ساهر غزاوي ان ما يجري في باب العامود يندرج ضمن سياسة اسرائيلية اوسع تهدف للسيطرة على الحيز العام واعادة تشكيله. واضاف في تحليله ان المرحلة الحالية تشهد تصعيدا واضحا في ادوات الضغط والرقابة التي تستهدف كسر الارتباط الوجداني والسياسي بين المقدسيين ومحيطهم.
واشار غزاوي الى ان منع المصلين من اداء الشعائر الدينية في محيط الباب ياتي في سياق تضييق الخناق على الوصول الى المسجد الاقصى المبارك. واوضح ان الاحتلال يسعى جاهدا لتحويل هذا الشريان الرئيسي للبلدة القديمة من ساحة اجتماعية مفتوحة الى منطقة امنية محكومة بالقبضة العسكرية.
واكد الباحث ان تفريغ المكان من وظيفته التاريخية يعد ضربة مباشرة للفضاءات الجامعة للفلسطينيين. واضاف ان هذه السياسات تؤدي عمليا الى اضعاف الحضور الشعبي وتفكيك الروابط الاجتماعية التي لطالما شكلت اساس المقاومة الشعبية في المدينة المحتلة.
استراتيجية التهويد وتفريغ المكان
وكشف غزاوي ان عسكرة باب العامود ليست مجرد اجراءات امنية بل هي جزء من مشروع تهويد شامل يسعى لطمس الهوية العربية والاسلامية للمكان. واوضح ان هذه السياسة تعتمد على ادوات دائمة مثل تغيير معالم المكان وفرض مسارات معينة للمستوطنين بما يخدم السردية الاحتلالية البديلة.
واضاف ان خطورة هذه الممارسات تكمن في تحويل الوجود الفلسطيني من حالة طبيعية الى وجود مجزا ومقيد. وبين ان الهدف النهائي هو اخماد الدور السياسي والاجتماعي للمكان الذي كان دوما منصة للتحرك والمبادرات الشعبية التي تزعج سلطات الاحتلال.
واكد في ختام حديثه ان السياسات المتراكمة منذ عقود تتصاعد اليوم لتصبح امرا واقعا يريد الاحتلال فرضه على المقدسيين. وشدد على ان محاولات ترهيب المصلين وتقييد حركتهم لن تنجح في تغيير حقيقة ان باب العامود سيبقى بوابة القدس التي لا تنحني رغم كل محاولات التهويد.









