استراتيجية بكين السرية: لماذا تواصل الصين تكديس الذهب رغم تقلبات السوق؟
كشف البنك المركزي الصيني عن توجهات جديدة في سياساته النقدية من خلال زيادة ملحوظة في مشترياته من الذهب خلال الشهر الماضي، حيث سجلت هذه الخطوة أكبر وتيرة إضافة شهرية للمعدن النفيس منذ فترة طويلة. وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه الذهب ضغوطا سعرية حادة، مما يعكس اصرار بكين على تنويع احتياطياتها الرسمية بعيدا عن هيمنة العملات التقليدية.
واظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية بالنقد الاجنبي في الصين ارتفاع حجم الحيازة من الذهب لتصل الى مستويات قياسية جديدة، حيث تمت اضافة كميات كبيرة تقدر بنحو 14.9 طنا الى الاحتياطيات. واوضح التقرير ان هذه الزيادة تضاف الى سلسلة مشتريات مستمرة منذ عشرين شهرا، مما يرسخ اطول موجة شراء متصلة يقوم بها بنك الشعب الصيني منذ سنوات طويلة.
وبينت التحليلات الاقتصادية ان هذه الخطوة الصينية ليست بمعزل عن التوجهات العالمية، بل هي جزء من استراتيجية اوسع تهدف لتقليل الاعتماد على الاصول الدولارية وتعزيز المكون المعدني في المحافظ السيادية. واكد خبراء ان استمرار الشراء رغم تراجع اسعار الذهب بنسبة 12% يشير الى نظرة استراتيجية بعيدة المدى تتجاوز تقلبات السوق اللحظية.
تحول عالمي نحو المعدن الاصفر
واضاف مجلس الذهب العالمي في مسحه الدوري ان البنوك المركزية حول العالم اصبحت تميل بشكل متزايد نحو مراكمة الذهب، بمتوسط سنوي ضخم خلال السنوات الاربع الاخيرة. واشار التقرير الى ان هناك اجماعا بين المشاركين في المسح على توقع زيادة حيازة مؤسساتهم من الذهب خلال الفترة القادمة، وهو ما يعتبر مؤشرا على فقدان الثقة التدريجي في استقرار العملات الورقية.
واكدت البيانات ان نسبة كبيرة من البنوك المركزية تتوقع تراجعا ملموسا في حصة الدولار ضمن الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، مقابل صعود متوقع لحصة الذهب. وشدد التقرير على ان الصين تقود هذا التوجه الذي تتبناه دول اخرى مثل بولندا واوزبكستان وكازاخستان في محاولة للتحوط من المخاطر الاقتصادية.
وكشفت الدراسات ان العوامل الجيوسياسية والتحوط من التضخم تشكل المحرك الرئيسي لهذه السياسات، حيث يرى 90% من مديري البنوك المركزية ان الذهب هو الملاذ الامن الوحيد في اوقات الازمات. واوضح المسح ان الاقتصادات الناشئة هي الاكثر قلقا من عدم الاستقرار العالمي، مما يدفعها لتعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس بشكل مستمر.
الذهب كملاذ امن للسياسة النقدية
واكد الباحثون ان الاداء التاريخي للذهب في فترات التوتر الجيوسياسي يجعله الخيار المفضل للبنوك المركزية التي تسعى لحماية ثرواتها الوطنية. واضاف التقرير ان الصين، من خلال اضافة المزيد من الاطنان الى احتياطياتها منذ بداية العام، ترسل رسالة واضحة للاسواق العالمية حول رغبتها في بناء نظام مالي اكثر استقلالية.
وبينت المعطيات ان التراجع في القيمة الدولارية للاحتياطيات المعلنة لا يثني بكين عن مواصلة الشراء، بل يعتبره المحللون فرصة لزيادة الحيازة باسعار اقل. واشار الخبراء الى ان هذه السياسة الصينية ستظل علامة فارقة في اعادة تشكيل المشهد المالي الدولي خلال العقد الحالي.
واختتم المحللون بان التوجه نحو الذهب ليس مجرد حركة عابرة، بل هو تحول هيكلي في ادارة الثروات السيادية للدول الكبرى. وشددوا على ان المستقبل القريب سيشهد منافسة اكبر بين الدول لتأمين احتياطياتها من الذهب بعيدا عن تقلبات السياسات النقدية الامريكية.









