زلزال في اروقة النقد الدولي بعد خطوة امريكا المفاجئة لدعم الين

زلزال في اروقة النقد الدولي بعد خطوة امريكا المفاجئة لدعم الين

اثارت الخطوة الامريكية الاخيرة لدعم الين الياباني حالة من الاستياء الواسع داخل المؤسسات المالية الاوروبية. ولم يكن القلق نابعا من الاثار المباشرة على حركة اسواق العملات العالمية، بل من الاسلوب غير المسبوق الذي اتبعته وزارة الخزانة الامريكية في تنفيذ العملية. فقد اقدمت واشنطن على بيع اليورو لشراء الين دون اي تنسيق مسبق مع البنك المركزي الاوروبي، وهو ما اعتبره مراقبون خروجا فجا عن الاعراف الدبلوماسية والنقدية التي سادت بين الاقتصادات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

واظهرت تقارير موثوقة ان البنك المركزي الاوروبي لم يتلق اي اخطار رسمي حول العملية الا بعد اتمامها بالفعل. واضافت المصادر ان رئيسة البنك كريستين لاغارد اضطرت لاجراء اتصال عاجل بوزير الخزانة الامريكي سكوت بيسنت في اليوم التالي للتنفيذ، وذلك بعد ان قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بتنفيذ البيع نيابة عن الخزانة الامريكية بشكل منفرد. ويشكل هذا الاجراء اول تدخل امريكي مشترك مع اليابان لدعم الين منذ نحو ثلاثة عقود، في وقت وصلت فيه العملة اليابانية الى ادنى مستوياتها منذ عام 1986.

وبين محللون ان جوهر الازمة لا يكمن في دعم الين بحد ذاته، بل في تخطي واشنطن لمبدأ التشاور المسبق الذي يعد الركيزة الاساسية للتعاون بين البنوك المركزية الكبرى. واكد خبراء اقتصاديون ان هذه السابقة قد تؤدي الى تآكل الثقة المتبادلة بين المؤسسات النقدية الغربية التي اعتادت التنسيق لتفادي التوترات في اسواق الصرف. وشدد مسؤولون اوروبيون على ان هذا التصرف يمثل خرقا لتقاليد التعاون الوثيق التي ساهمت لعقود في استقرار النظام المالي العالمي.

تداعيات تجاوز التنسيق النقدي الدولي

واوضحت وزارة الخزانة الامريكية في ردها على التساؤلات انها لا تجد ضرورة للتنسيق مع السلطات الاجنبية بشأن قرارات توزيع احتياطات صندوق استقرار الصرف. واضاف متحدث باسم الوزارة ان توزيع الاصول يتم بناء على تقييمات داخلية لسيولة الاسواق واحتياجات الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، مشيرا الى ان الوزارة قامت بالفعل باعادة توزيع اصولها خلال الاسبوع الماضي دون الرجوع لاطراف خارجية.

وكشفت التحليلات ان اختيار اليورو كعملة للبيع لم يكن عشوائيا، بل جاء لتجنب بيع الدولار الامريكي بشكل مباشر، مما قد يرسل اشارات سلبية للأسواق حول قوة العملة الامريكية. وتابعت التقارير ان بيع اليورو ساعد واشنطن في تفادي الضغط على سوق سندات الخزانة، حيث كان بيع الدولار سيضطر اليابان لتصفية سندات امريكية، وهو ما سيزيد من ارتفاع عوائد السندات التي تعاني اصلا من ضغوط كبيرة.

واشار خبراء في شركة بلاك روك الى ان هذا التصرف يعكس تحولا نحو تراجع التعاون بين الدول في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية. واضافوا ان هذه الواقعة تزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين تجاه السندات الحكومية طويلة الاجل، خاصة مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الامريكية لاجل ثلاثين عاما الى مستويات قياسية لم تشهدها منذ تسعة عشر عاما.

هل نجحت خطة دعم الين؟

وادت التدخلات الامريكية اليابانية الى ارتفاع قيمة الين بشكل حاد مقابل الدولار، حيث تحرك السعر من مستويات 164 ينا الى قرابة 157 ينا. واوضح المحللون ان هذا التحسن قد يكون قصير الاجل اذا لم يتبعه تحول جذري في السياسة النقدية اليابانية، خاصة ان الاسواق تترقب اي رفع محتمل لاسعار الفائدة من قبل بنك اليابان في الاجتماع القادم.

وبينت البيانات الاولية ان طوكيو انفقت ما يقارب 87 مليار دولار خلال يومين فقط لمحاولة كبح انهيار عملتها. واكد اقتصاديون ان التدخلات المباشرة قد تنجح في تهدئة التقلبات السريعة، لكنها تظل غير قادرة على تغيير المسار الأساسي للعملة ما لم تكن مدعومة باصلاحات هيكلية او تغير في سياسات الفائدة.

وكشفت تقديرات بنك اوف امريكا ان النظرة السلبية تجاه الين لا تزال مسيطرة على المستثمرين، وسط قلق من تاخر بنك اليابان في مواجهة التضخم والاعباء المالية المترتبة على سياسات الحكومة. وخلص المراقبون الى ان الاعتماد على الاحتياطات الاجنبية التي تبلغ 1.3 تريليون دولار يظل حلا مؤقتا لا يغني عن ضرورة اتخاذ قرارات نقدية حاسمة.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions