صراع النفوذ المالي في واشنطن: هل تفقد السندات الامريكية استقلاليتها؟

صراع النفوذ المالي في واشنطن: هل تفقد السندات الامريكية استقلاليتها؟

تشهد اروقة الاقتصاد الامريكي حالة من التجاذب الحاد بين وزارة الخزانة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي حول ادارة سوق السندات التي تعد الاكبر عالميا بقيمة تصل الى 32 تريليون دولار. وبينما يسعى وزير الخزانة سكوت بيسنت الى تهدئة عوائد السندات طويلة الاجل عبر تكثيف عمليات اعادة الشراء لتصل الى 4 مليارات دولار للعملية الواحدة، يقف رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش مدافعا عن ترك السوق تحدد مسارها بناء على البيانات الاقتصادية ومعدلات التضخم. وتتزايد المخاوف لدى المحللين من ان هذه التحركات المتباينة قد تؤدي الى تضارب في السياسات المالية والنقدية، مما يربك المستثمرين في وقت لا يزال فيه التضخم يتجاوز مستهدفات البنك المركزي.

واضاف مراقبون ان بيسنت يهدف من خطته الى خفض تكاليف الاقتراض التي وصلت الى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ نحو عقدين، وذلك لدعم الاسر والشركات في مواجهة اعباء الديون. واوضح الخبراء ان هذا التدخل يثير تساؤلات جوهرية حول من يمتلك القرار النهائي في تحديد سعر المال في الولايات المتحدة، هل هي قوى السوق الحرة ام الرؤية الحكومية للوزارة ام السياسة النقدية المستقلة للفيدرالي.

وشدد مستثمرون كبار في وول ستريت على ان محاولات الخزانة للتحكم في العوائد قد تكون استراتيجية ذاتية الهزيمة، حيث ترى ليزا شاليت من مورغان ستريت ان التدخل المباشر يبعث برسائل سلبية حول قدرة الحكومة على استدامة ديونها. وبينت التحليلات ان هذا التوجه يضع وارش في موقف حرج، خاصة انه يحاول اقناع الاسواق بالاعتماد على المؤشرات الحقيقية بدلا من التوجيهات الرسمية، مما يجعل التناقض بين موقفه وموقف بيسنت واضحا امام المؤسسات المالية العالمية.

تحديات الهيمنة المالية واستقلال السياسة النقدية

واكدت تقارير اقتصادية ان التوقيت يكتسي اهمية بالغة مع اقتراب خطاب وارش المرتقب في جاكسون هول، والذي سيكون بمثابة اختبار لمدى استقلالية البنك المركزي في ظل ضغوط سياسية متزايدة. واشار اقتصاديون الى ان ادارة الرئيس ترمب تبحث عن طرق لتقليل تكلفة خدمة الدين، وهو ما يفتح الباب امام مخاوف حقيقية من وقوع ما يسمى بالهيمنة المالية، حيث يتم تسخير الادوات النقدية لخدمة اهداف الموازنة العامة بدلا من كبح جماح التضخم.

وكشف جيسون فورمان ان انصياع السياسة النقدية لمتطلبات وزارة الخزانة قد يقوض الثقة في المؤسسات المالية الامريكية على المدى الطويل. واضاف ان التضخم الذي لا يزال مرتفعا بنسبة 3.7 في المائة يفرض على الفيدرالي التزاما صارما برفع الفائدة او الابقاء عليها مرتفعة، بينما تحاول الخزانة خفضها، مما يخلق فجوة يصعب ردمها في استراتيجيات صناع القرار.

وخلص الخبراء الى ان ستانلي دراكنميلر انتقد بدوره هذه التوجهات واصفا اياها بالخطأ الفادح الذي يخل بآليات السوق. وبين ان المعركة لا تقتصر على ارقام العوائد فحسب، بل هي اختبار لمستقبل استقلالية المؤسسات الامريكية في عالم مالي شديد الحساسية، حيث تتصادم رغبة الحكومة في الاقتراض الرخيص مع ضرورة الفيدرالي في الحفاظ على استقرار الاسعار.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions