فخ الريال والدولار.. كيف يواجه الايرانيون تآكل رواتبهم في ظل التضخم

فخ الريال والدولار.. كيف يواجه الايرانيون تآكل رواتبهم في ظل التضخم

يعيش الموظف شايان البالغ من العمر 48 عاما حالة من القلق المستمر بسبب الفجوة المتسعة بين دخله بالريال الايراني وتكاليف المعيشة التي ترتبط بشكل مباشر بتقلبات سعر الصرف. كشف شايان ان الشركات واصحاب الاعمال يتبعون سياسة تسعير تعتمد على العملة الصعبة بينما يحصل الموظفون على رواتبهم بالعملة الوطنية وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة مع التضخم الذي يلتهم قدرته الشرائية بشكل يومي. واكد ان هذه المعادلة غير العادلة جعلته يشعر بسقوطه من الطبقة المتوسطة نحو عتبة الفقر بعدما فقد الريال جزءا كبيرا من قيمته امام الدولار وسط غياب اي تعديل حقيقي في الاجور يواكب الغلاء الفاحش.

واشار شايان الى ان راتبه لم يشهد سوى زيادة طفيفة بينما تجاوز معدل التضخم مستويات قياسية مما جعل الحصول على السلع الاساسية امرا بالغ الصعوبة. واوضح ان المواطن البسيط اصبح يدفع ضريبة مضاعفة جراء هذا الانفصام الاقتصادي الذي يحول الدخل الى ارقام لا تكفي لتغطية نفقات المنزل الشهرية. وبين ان الشعور بالظلم يزداد حين يدرك ان جهود العمل طوال الشهر تتبخر في لحظات بسبب تآكل العملة المحلية امام العملات الاجنبية.

واضاف ان المأزق الذي يعيشه ملايين الايرانيين ليس مجرد حالة عابرة بل هو واقع مفروض يفرض عليهم البحث عن حلول بديلة لحماية ما تبقى من مدخراتهم. وشدد على ان غياب المحاسبة والحلول الجذرية للاقتصاد جعل المواطن يواجه مصيره وحيدا في سوق لا ترحم ولا تلتزم بمعايير ثابتة للاسعار. واعتبر ان تحول الدخل من الريال الى الانفاق المرتبط بالدولار هو مصنع حقيقي للفقر ينتج المزيد من المعاناة يوميا.

مطاردة الاسعار في شوارع طهران

اوضحت المواطنة امنة في جولة ميدانية ان الارتفاع المستمر في سعر الدولار اثبت ان جميع السلع في السوق الايراني باتت مقيمة بالعملة الاجنبية رغم ان المواطن يتقاضى اجره بالريال. وتساءلت عن سبب استمرار هذا التمييز في التعامل المالي الذي يرهق كاهل الاسر ويجعلهم عالقين في دوامة من العجز المادي. واكدت ان الوضع الاقتصادي سيظل مترديا ما لم يتم توحيد عملة الدخل مع عملة الانفاق لتجنب الفوضى التي يستفيد منها قلة قليلة على حساب الغالبية.

وكشف الشاب ساميار وهو طالب اقتصاد ان عائلته تتبع استراتيجية دفاعية فور استلام الرواتب تتمثل في شراء السلع الضرورية بسرعة قبل ان يرتفع سعر الدولار مجددا. واضاف ان ما يتبقى من اموال يتم تحويله فورا الى عملات صعبة او ذهب كطريقة وحيدة للحفاظ على قيمة ما يملكونه من سيولة. واوضح ان حياتهم تحولت الى عملية مطاردة مستمرة للاسعار التي تتغير بين ليلة وضحاها مما يمنعهم من التخطيط للمستقبل.

وبين بدرام وهو طالب جامعي ان القلق المزمن اصبح رفيقا يوميا للمواطن الذي ينتظر نهاية الشهر فقط ليتمكن من شراء احتياجاته قبل ان تتلاشى قيمة راتبه. واكد ان التقارير السياسية حول المفاوضات الدولية تؤثر بشكل مباشر وفوري على سعر الصرف مما يزيد من حدة التوتر لدى الناس. واشار الى ان الشراء الفعلي اصبح مرهونا بسعر اللحظة التي يقف فيها المشتري امام الصراف مما يجعل الاستقرار المالي ضربا من الخيال.

دولرة الاسعار وتعميق الازمات

كشفت الموظفة مهتاب ان دولرة الاسعار تمثل لعبة رياضية وهمية تجور على حقوق العاملين وتبرر رفع الاسعار بشكل غير مبرر. واضافت ان الجهات المعنية تتحدث عن تحرير الاسعار ورفع الدعم لكنها تتجاهل تماما مطلب تحرير الاجور لتواكب الاسعار العالمية. واكدت ان هذه المفارقة تزيد من الضغوط المعيشية على الموظفين الذين يجدون انفسهم في مواجهة مع اقتصاد يرتفع بالدولار ويقبض بالريال.

واوضح الخبير الاقتصادي معين صادقيان ان الخلل الاساسي يكمن في تحديد الرواتب بالعملة الوطنية في بداية السنة بينما تتحرك التكاليف وفقا للدولار. واضاف ان هذا الانفصام يؤدي الى فقدان الراتب اكثر من نصف قيمته في منتصف العام مما يسرع من عملية انزلاق الطبقة المتوسطة نحو الفقر المدقع. وبين ان انهيار هذه الطبقة يعني توقف الادخار وبالتالي توقف الاستثمار وخلق فرص العمل مما يكرس البطالة.

واشار صادقيان الى ظاهرة الدولارات المنزلية حيث يفضل الناس اكتناز العملة الصعبة في بيوتهم بدلا من استثمارها بسبب انعدام الثقة في العملة الوطنية. واوضح ان هذه الاموال تخرج من الدورة الاقتصادية وتتحول الى استنزاف صامت يمنع النمو. واكد ان الحل يتطلب استعادة الثقة الاجتماعية والاقتصادية بين المواطن ومؤسسات الدولة لضمان تماسك المجتمع وتجاوز حلقة الفقر المفرغة.

صناعة الفقر والحلقة المفرغة

اكد صادقيان ان التضخم المزمن هو السبب الجذري الذي جعل الريال يفقد وظائفه الاساسية كمخزن للقيمة او وسيط للتبادل. واضاف ان استمرار هذه الحالة دفع البعض للجوء الى العملات الرقمية او الدولار في عقود البيع والشراء كبديل اكثر امانا. واوضح ان هذا التوجه يعكس انهيارا في الثقة وليس تطورا طبيعيا في الاقتصاد.

وبين ان الفقر الذي يعاني منه المجتمع الايراني اليوم هو نتيجة مباشرة لتراكم السياسات المالية الخاطئة التي لم تعالج اسباب التضخم. واكد ان المواطن اصبح ضحية لمصيدة اقتصادية لا تمنحه فرصة للنمو او الادخار. واشار الى ان الخروج من هذه الازمة مرهون باصلاحات هيكلية تعيد للعملة الوطنية قيمتها وتنهي حالة الدولرة التي تسيطر على مفاصل الحياة اليومية.

وختم صادقيان حديثه بالتأكيد على ان استمرار الوضع الحالي سيؤدي الى مزيد من التآكل في الطبقات الاجتماعية. واضاف ان الحكومة مطالبة باتخاذ خطوات جادة لتقليص الفجوة بين الدخل والاسعار لضمان حياة كريمة للمواطنين. واكد ان الثقة هي العملة الاغلى التي يجب استعادتها لضمان استقرار الاقتصاد الوطني وتجنب الانهيارات المتتالية.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions