جدل كينز يتجدد.. هل تعود الدولة للسيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي
لا تزال افكار الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز تشكل محور نقاشات حادة بين خبراء المال والاقتصاد في العالم حتى وقتنا الحالي، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى جدوى تدخل الدولة في ادارة السوق مقابل ترك الحرية الكاملة لآليات العرض والطلب. واظهر كتاب جديد للمؤرخ روبرت سكيدلسكي بعنوان كينز لعصرنا ان الجدل حول الاسس الفلسفية التي قامت عليها المدرسة الكينزية لم ينته، بل عاد للواجهة بقوة مع محاولات استحضار هذه النظريات لتطبيقها في القرن الواحد والعشرين. واكد سكيدلسكي في مؤلفه ان فلسفة كينز تتجاوز مجرد الادوات الاقتصادية، فهي دعوة لتوسيع دور المؤسسات الحكومية في توجيه الاقتصاد نحو مسارات تخدم المجتمع بشكل اوسع.
الفلسفة تسبق نظريات المال
وبينت المراجعات النقدية للكتاب ان كينز كان يرى في الاقتصاد علما اخلاقيا يهدف في المقام الاول الى تحسين جودة حياة البشر وليس مجرد تراكم للثروات او ارقام في البورصات. واوضحت ان تاثر كينز بالفيلسوف جورج ادوارد مور خلال دراسته في جامعة كامبريدج كان له الاثر الاكبر في رفضه للنظرة النفعية البحتة، واعتباره الاقتصاد وسيلة لتحقيق الرفاهية الثقافية والفنية والاجتماعية. واضاف الخبراء ان هذا المنظور دفع كينز الى تبني سياسات مالية تدعم خفض اسعار الفائدة وتحفيز الانفاق العام مع تقليص نفوذ كبار الملاك لضمان توزيع اكثر عدالة للفرص الاقتصادية.
صراع المدرسة الكينزية والحرية الاقتصادية
وكشفت التحليلات ان تطبيق هذه السياسات واجه انتقادات لاذعة، خاصة بعد ارتباطها بموجات تضخم حادة شهدتها الدول الغربية في فترات سابقة نتيجة زيادة الطلب عن قدرة العرض. وشدد المراقبون على ان الكتاب يعيد احياء المواجهة التاريخية بين كينز وفريدريش هايك، حيث يرى الاخير ان الاسواق الحرة وسيادة القانون هما الضامن الوحيد للازدهار والحرية الفردية بعيدا عن هيمنة الدولة. وبينت التقارير ان سكيدلسكي رغم انحيازه لكينز، يقر بان الرجلين اتفقا في النهاية على ضرورة حماية الحضارة الليبرالية من التيارات المتطرفة رغم اختلافهما الجذري حول الوسائل الاقتصادية المتبعة.
مستقبل الاقتصاد الليبرالي تحت المجهر
واوضح المحللون ان دعوات سكيدلسكي لتبني كينزية حديثة ترتكز على توسيع شبكات الامان الاجتماعي وزيادة الانفاق الحكومي وتوفير وظائف عامة، وهو ما يراه البعض تهديدا محتملا للحرية الاقتصادية والإنتاجية. واكدت القراءات النقدية ان التوسع في تدخل الدولة قد يفتح الباب امام تساؤلات معقدة حول مستقبل النظام الليبرالي وقدرته على التكيف مع التحديات الحالية. واختتم الخبراء بالاشارة الى ان الدفاع عن ارث كينز اليوم يتطلب موازنة دقيقة بين الرغبة في العدالة الاجتماعية والحاجة للحفاظ على ديناميكية السوق وتنافسيته في عصر متغير.









