خارطة التقطيع العرضي: كيف تعيد اسرائيل هندسة جغرافيا الضفة الغربية
تشهد الضفة الغربية تحولات ميدانية متسارعة تتجاوز في ابعادها العمليات العسكرية المحدودة لتصل الى اعادة رسم المشهد الجغرافي والديموغرافي للمنطقة برمتها. وتكشف التحركات الاخيرة في مدينة الخليل عن استراتيجية ممنهجة تهدف الى تقطيع اوصال الضفة عبر سلسلة من الاقتحامات وعمليات الهدم والاخلاء القسري للعائلات الفلسطينية تحت ذرائع امنية متجددة.
واظهرت التطورات الميدانية الاخيرة التي اعقبت اشتباكات حاجز فرش الهوى ان العمليات العسكرية لم تعد محصورة في بقعة جغرافية واحدة. واضاف مراقبون ان هذه التحركات تتزامن مع تصعيد واسع في محافظات جنين وطولكرم ونابلس مما يعزز فرضية وجود خطة شاملة تهدف الى فرض واقع امني جديد يمهد لتوسيع نطاق السيطرة على مساحات اوسع من الضفة الغربية.
وبينت المعطيات الميدانية ان اوامر الاخلاء التي صدرت في مناطق الجلدة ودير بحة بالخليل تاتي في سياق مناورات عسكرية واسعة النطاق يجريها الجيش الاسرائيلي. واكدت مصادر مطلعة ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يروج لخطط توسعية تتجاوز في طموحاتها ما جرى عام 1967 مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل المنطقة وحدود هذه العمليات العسكرية المستمرة.
استراتيجية التقطيع وتفتيت المدن
وكشف خبراء استراتيجيون ان ما يجري حاليا يمثل تحولا جذريا وليس مجرد حملة امنية عابرة تستهدف ملاحقة منفذي هجمات. واوضح المختصون ان هذه السياسات تتقاطع بشكل مباشر مع مشروع اي ون الاستيطاني الذي يسعى لفصل شمال الضفة عن جنوبها بشكل نهائي وتقويض اي فرص مستقبلية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
واكد التحليل العسكري ان مدينة الخليل التي تعد ثقلا اقتصاديا وسكانيا كبيرا باتت هدفا رئيسيا في هذه الخطة. واشار المحللون الى ان التحكم في الطرق الحيوية مثل الطريق رقم 60 و35 يهدف الى عزل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض وتحويلها الى جزر معزولة يسهل السيطرة عليها امنيا واقتصاديا وفق تصورات قديمة متجددة.
واظهرت الدراسات الجيوسياسية ان مفهوم التقطيع العرضي يعود الى ارث مشروع النجوم السبع الذي وضعه ارييل شارون قديما. واضاف الخبراء ان هذا النهج يعتمد على خلق شبكة من المستوطنات المترابطة التي تلتف حول التجمعات السكانية الفلسطينية مستغلة الجدار الفاصل والطرق الالتفافية لفرض هيمنة كاملة على الارض.
من التكتيك العسكري الى الهندسة الجيوسياسية
وتمضي اسرائيل في تنفيذ ما يوصف بـ الون بلس وهو تطوير لمشروع ايغال الون التاريخي للسيطرة على الاغوار واطراف الضفة. واوضحت التحليلات ان نتنياهو يسعى من خلال هذا النموذج الى دمج السيطرة الامنية المطلقة مع الهيمنة الاقتصادية الكاملة محولا كل حادثة تكتيكية الى ذريعة لتنفيذ مشاريع استراتيجية بعيدة المدى.
واكدت التقارير ان استنفار الفرق العسكرية وتوسيع نطاق العمليات ليشمل غور الاردن يعكس استعدادا منظما لفرض واقع جديد. واضاف المراقبون ان استراتيجية جز العشب التي تتبعها القوات الاسرائيلية تهدف الى تفكيك اي شبكات مقاومة ومنع اي تطور اقتصادي فلسطيني ذاتي عبر التحكم في الممرات الحيوية للضفة الغربية.
وكشفت القراءة السياسية للمشهد ان الضفة الغربية باكملها تتعرض لعملية قضم تدريجي للاراضي. واختتم المحللون بان هذه السياسة الرومانية في السيطرة تقوم على الضغط المستمر والضربات الاستباقية لتفريغ الارض من عمقها الديموغرافي وتحويلها الى كانتونات مقطعة الاوصال تحت السيطرة الاسرائيلية الشاملة.









